الصفحة 15 من 56

فظهرت البنيوية في بداية الأمر في علم اللغة [1] ، وبرزت عند فرديناند دي سوسير الذي يعد الرائد الأول للبنيوية اللغوية عندما طبق المنهج البنيوي في دراسته للغة، واكتشاف مفهوم البنية في علم اللغة دفع بارت وتودوروف وغيرهما إلى الكشف عن عناصر النظام في الأدب [2] .

أما عن نظرية دي سوسير في علم اللغة، فهو يرى أنَّ موضوع علم اللغة الصحيح والوحيد هو اللغة في ذاتِها ومن أجلِ ذاتها، وقد فرّق بين اللغةِ والأقوالِ المنطوقةِ والمكتوبةِ، فاللغة أصواتٌ دالةٌ متعارف عليها في مجتمع معين، وإن لم توجد كواقع منطوق لدى أي فرد من أفرادهِ، أما الأقوال فكل الحالات المتحققة من استعمالات اللغة، ولا يكون واحد منها، بل ولا يلزم أن تكون جميعها ممثلة للغة في كمالها ونقائها المثاليين [3] .

إذن ففي دراسة اللغة لا بد من عزلها واعتبارها مجموعة من الحقائق؛ لأن اللغة بالتحليل السابق هي نظام إشاري (سيميولوجي) ، أي إن علم اللغة يهتم باللغة المعينة ولا يلتفت إلى لغة الفرد؛ لأنها تصدر عن وعي ولأنها تتصف بالاختيار الحر.

ومن هنا انطلقت البنيوية من حقلِ علم اللغة إلى حقل علم الأدب، فسوسير في نظريتهِ كان يفرقُ بين اللغةِ والأقوال أو بين اللغة كنظام واللغة كاستعمال كلامًا أو كتابةً، فإن البنيويين يفرقون كذلك في علم الأدب بين الأدب والأعمال الأدبية [4] .

أما عن فكرة النظام أو النسق الذي يتحكم بعناصر وأجزاء النص مجتمعة، والذي يمكن أن يظهر من خلال شبكة العلاقات العميقة بين المستويات النحوية الأسلوبية والإيقاعية، فهي مستمدة من فكرة العلاقات اللغوية التي تعد أساسًا من أسس نظرية دي سوسير والتي وضحها حين قال بأن اللغة ليست مفردات محددة المعاني ولكنها مجموعة علاقات.

بمعنى إن الكلمة لا يتحددُ معناها إلا بعلاقتِها مع عدد من الكلماتِ، بما سبقها وما لحقها، كما إن العلاقة بين صوت الكلمة ومفهومها كما يرى دي سوسير هي علاقة تعسفية بمعنى أنه لا علاقة لمفهوم الكلمة بصوتها بدليل اختلاف صوت هذا الشيء بين لغة وأخرى، إذن فبناء اللغة أو نظامها لا يتمثل إلا في العلاقات بين الكلمات، وهي تمثل نظامًا متزامنًا حيث أن هذه العلاقات مترابطة [5] .

ونودُ أن نشيرَ إلى أن البنيويةَ كانت في أول ظهورها تهتم بجميع نواحي المعرفة الإنسانية [6] ، ثم تبلورت في ميدان البحث اللغوي والنقد الأدبي.

والسؤال الذي أودُّ أن أطرحه هنا إذا كانت هذه العلوم الإنسانية كلها علوم بنيوية، فلماذا تبدو البنيوية الفرنسية جديدة ومثيرة؟ أعتقدُ إن الجواب عن هذا السؤال يكمن في المعنى الجديد الذي أضفته البنيوية على كلمة بنية.

إذن فالمنهج البنيوي هو نموذج تصوري مستعار من علم اللُّغة [7] ، عند دي سوسير في المحل الأول بكل ما يلزم من هذا النموذج من نظرة كليّة تبحث عن

(1) : إن مفهوم اللغة عند البنيويين تُعني: نظامًا من العناصر التي لا دلالة بالنسبة للباحث، ولذا كان على الباحث أو الدارس نبذ تأويل العناصر اللغوية باستعمال المعنى أو الوظيفة في الجملة على نحو المنطق اليوناني من فعل وفاعل ومفعول به، وما إلى ذلك من وظائف في الجملة، ولكن من خلال موقعها في شبكة العلاقات الأفقية والعمودية.

(2) : انظر: شكري الماضي، في نظرية الأدب، دار الحداثة، بيروت، ط1، 1986م، ص 190.

(3) : نفسه، ص 190 ـ 191، و جان بياجه، البنيوية، ص 64.

(4) : البنيويون يعرِّفون الأدب على أنه نظام رمزي تحته نظم فرعية يمكن أن تسمى (الأنواع الأدبية) ، أما الأعمال الأدبية هي نصوص متحققة يمكن أن تمثل هذه النظم بكيفية ما، للمزيد راجع: المرجع السابق.

(5) : انظر: جان بياجه، المرجع السابق، ص 64.

(6) : ومن العلوم الإنسانية التي ظهرت فيها البنيوية غير علم اللغة كما ذكرنا سابقًا، فظهرت في مجال علم الاجتماع وهذا عند كل من كلود ليفي شتراوس ولوي التوسير الذين قالا: أن جميع الأبحاث المتعلقة بالمجتمع، تؤدي إلى بنيويات، وذلك أن المجوعات الاجتماعية تفرض نفسها من حيث أنها مجموع وهي منضبطة ذاتيًا، وظهرت في مجال علم النفس وهذا عند كل من ميشال فوكو وجاك لاكان حيث وقفا ضد الاتجاه الفردي في مجال الأساس والإدراك.

(7) : قسم البنيويون اللغة إلى مستويات كالمستوى الصوتي والفونولوجي والمورفولوجي وإلى وحدات أصغرها الفونيم وهو وحدة النظام الصوتي، يليها المورفيم وهو مجموعة من الوحدات الصوتية قد تكون أدنى من الكلمة لكنها تدخل في علاقة استبدالية مع العناصر الأخرى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت