إن المنهج البنيوي منهج كبقية المناهج الأخرى، واضعه إنسان ومطبقة إنسان وهذا يُعني لا بد من أن يكون له سلبيات وايجابيات، وفي هذا المبحث سأحاول حصر سلبياته وإيجابياته بقدر الإمكان.
أما عن ايجابياته فتتلخص في المتطلبات الصارمة التي يفرضها على قارئ الأدب، إذ إنه من الصعب على القارئ أن يكون مجرد هاوٍ للمتعة أو التسلية، أو أن يكون غير ملم بقواعد اللغة، وفنون القول المختلفة، لكن هذا المطلب في الوقت نفسه يحد من انتشار الأدب؛ بسبب صعوبة العثور على عدد كبير من القرّاء يتحلى بهذا المستوى الممتاز الذي يخلق نوعًا من الارستقراطية الأدبية [1] .
ومن ايجابياتهِ أيضًا تلك الروح النقدية العالية التي يتطلبها من القارئ، بحيث يشارك مشاركة إيجابية وفعّالة في تصور إمكانيات النص، وتوقع الحلول المختلفة للقضايا الفنية أو الشكلية المعروضة [2] .
ولذلك يقول كما أبو ديب:"ليست البنيوية فلسفة، لكنها طريقة في الرؤية ومنهج في معاينة الوجود، ولأنها كذلك فهي تثوير جذري للفكر وعلاقته بالعالم وموقعه منه وبإزائه، في اللغة لا تغير البنيوية اللغة، ولا تغير المجتمع، وكما أنها لا تغير الشعر لكنها بصرامتها وإصرارها على التفكير المتعمق والإدراك متعدد الإبعاد، والغوص في المكونات الفعلية للشيء والعلاقات التي تنشأ بين هذه المكونات يُغير الفكر المعاين للغة والمجتمع والشعر وتحوله إلى فكر متسائل قلق، متوثب، متعصٍّ، فكر جدلي شمولي" [3] .
وأشار صبري حافظ إلى الإطاحة الاستخفافية التي وجّهها أبو ديب إلى إنجازات النقد العربي الحديث في دراسة الشعر الجاهلي، حيث وضع كتابه (الرؤى المقنعة، نحو منهج بنيوي في دراسة الشعر الجاهلي) ، حيث أشاد أبو ديب بالمنهج البنيوي وايجابياته، فكان أحد أعلى النقاد العرب صوتًا في الدعوة إلى اصطناع المنهج البنيوي في دراسة الظاهرة الأدبية [4] .
أما عن سلبيات هذا المنهج فتتلخص فيما يلي:
أولًا: البنيوية كما يُفهم من لفظها تعتمد على بنية النص، وبيان العلاقات التي تربط بين كيانه اللفظي والمادي؛ لتصل إلى حكم أدبي فهي وإن كانت لا تُهمل الدراسة العلائقية للألفاظ، فإنها تُهمل الوحدة الموضوعية ودوافع إبداعه وأثر المبدع فيه، ومن هنا تقع في خطر ميكانيكية التحليل [5] .
ولذلك يقول جودت الركابي في مقالتهِ:"ومن هنا يجب أن نعترف بأن البنيوية أو البنائية على الرغم من عطاءاتها الأخرى، فأنها تُميت الروح إن لم تقل تقتل الإنسان، ولكي لا أكون جائرًا أُريد ألا أهمل الإشارة إلى أن البنيوية لم تُهمل تمامًا العلائق الكائنة بين العناصر اللفظية المكونة للنص، على اعتبار أن كل لفظ يُفسر من خلال علاقته بالأجزاء الأخرى، ولكن هذا التفسير يبقى في حدود المادية اللفظية المكونة للنص في حدود أنه كائن منفصل عن الإنسان، ولهذا لم تنظر إليه من خلال علاقته بالمبدع" [6] .
ثانيًا: من الأخطار التي تواجهها البنيوية (المغالطة الشكلانية) ، وتعني تلك إلى عدم الاهتمام بالمعنى أو المحتوى، ورفض الاعتراف بحضور العالم الثقافي خارج العمل الأدبي، وتلك ناتجة من عدم الاعتراف بأن مظاهر البنية المدروسة ليست هي المظاهر الوحيدة، ولا هي وحدها التي تعمل في نظام مغلق دون أن تتأثر بالعالم الخارجي [7] .
(1) : انظر: فائق مصطفى و عبد الرضا علي، المرجع السابق، ص 184.
(2) : نفسه، ص 184 وما بعدها.
(3) : انظر: كمال أبو ديب، جدلية الخفاء والتخلي، دار العلم للملايين، بيروت، ط1، 1984م، ص 7.
(4) : انظر: عمر حسن القِيَّام، في دائرة المنهج (قراءات نقدية) ، منشورات أمانة عمان، عمان، ط1، 2005م، ص 60 ـ 62.
(5) : انظر: جودت الركابي، المرجع السابق.
(6) : نفسه.
(7) : انظر: ميجان الرويلي و سعد البازعي، المرجع السابق، ص 40 وما بعدها، و جودت الركابي، المرجع السابق، و روبرت شولز، المرجع السابق، ص 21.