فهرس الكتاب
والإنسان مفطور على البحث عن المقياس الصحيح والبلدِ المثالي والموئِلِ الذي يأوي إليه والمصدرِ الذي يستمِدُّ منه القوةَ والثقة والحماسة والاندفاعَ ؛ سواءٌ في الأديان والشرائع والنظم والفلسفات والحضارات والمدنيات والآداب والعادات واللغات واللهجات والأناقةِ والثقافة وسلامةِ الذوق ورِقّة الشعور .
فكان لكل دينٍ مركزٌ يحتجُّ بعمله وأعرافه ، وكان لكل حضارةٍ بلدٌ مثالي أو عاصمةٌ أو قاعدةٌ يستدلُّ بأساليبِ الحياة فيها، والأنماطِ المدنية ، والمثلِ الاجتماعية في نواحيها، ولكلِّ لغةٍ و أدبٍ مركزٌ يستند إليه في معرفة الصحيح الفصيح من التعبير والبيان ، ومناهجِ اللغة والكلام ، والحكمِ على المفردات واللغات بالصحة والخطإ ، و لكلِ عصرٍ إقليمٌ وبلدٌ مثالي يتظرَّف الناسُ ويتنبَّلون بتقليد عاداته وتقاليده ، واتخاذِ مُثُله وقِيَمِه أمثلةً كاملةً للحياةِ الراقيةِ والأخلاقِ الفاضلة .
وقد عَقَد الله بين العرب والإسلام ، ثم بين الحجاز والأمة الإسلامية ، ثم بين الحرمينِ الشريفينِ وقلوبِ المسلمين للأبد، وربط مصيرَ أحدِهِما بالآخر .
وقد حَرَصَ رسول الله صلى الله عليه وسلم - وكان في ذلك نبيا مُلهَما وحكيما كلَّ الحكمة - على بقاءِ هذا الرباط الوثيق المقدَّس بين جزيرة العرب والإسلام فضلا عن الحجاز والحرمين الشريفين ، وحَرَصَ على سلامة هذا المركز وهدوئِه وشدةِ تمسّكه بهذا الدين وعضِّهِ عليه بالنواجذ؛ لأن العاصمةَ يجبُ أن تكون بعيدةً عن كلِّ تشويشٍ وعن كل فوضى وعن كل صراعٍ عقائدي أو مبدئي ، فشَرَعَ لذلك أحكاما بعيدةَ النتائج واسعةَ المدى ، وأوصى لذلك وصايا دقيقةً حكيمةً ، وأخذ لذلك من أصحابه وأمَّتِه عهودًا ومواثيقَ .