فهرس الكتاب
-من نصر إلى نصر
لقد اطمئن أبو بكر - رضي الله عنه - على المدينة وأبقى فيها جيش أسامة ثم خرج في الذين خرجوا إلى ذي القصة والذين كانوا على الأنقاب من الحرس على ذلك الظهر؛ قاصدًا أهل الربذة ليقاتلهم - وهذا الخروج الثالث له - فقال له المسلمون: ننشدك الله يا خليفة رسول الله أن تعرض نفسك! فإنك إن تصب لم يكن للناس نظام، ومقامك أشد على العدو؛ فابعث رجلًا، فإن أصيب أمرت آخر، فقال: لا والله لا أفعل ولأواسينكم بنفسي" [1] ."
خرج الصديق لجهاد المرتدين ثلاث مرات متتالية يعرض نفسه فيها للمخاطر دفاعًا عن دينه وذودًا عن حياض الشريعة, ويضع نفسه في فم الموت في تضحية كبيرة وفدائية عالية، رغم كبر سنة وهو الشيخ الذي بلغ الستين من عمره ورغم مناشدة المسلمين له أن يبقى في المدينة ويبعث قائدًا على الجيش فلم يقبل بل قال: لا والله لا أفعل ولأواسينَّكم بنفسي، لأنه صاحب المعدن النفيس الذي يثبت إن عصفت نار الفتنة ويدهده الباطل إن هاجت رياح الردة, إنه بذلك يجلي للمسلمين صورة ذاك القائد المؤمن الذي يفتدي قومه بنفسه، ويكون قدوة لهم في مواقفه وأفعاله, حيث يبرهن بالفعل لا بالقول على اهتمامه الكبير بمصلحة الأمة، وتجرده من حظ النفس، وقد جاء في إحدى هذه الروايات أن ضرار بن الأزور حينما أخبر أبا بكر الصديق - رضي الله عنه - بخبر تجمع طليحة الأسدي قال: فما رأيت أحد ليس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أملأ بحرب شعواء من أبي بكر، فجعلنا نخبره ولكأنما نخبر بماله ولا عليه" [2] ."
(1) البداية والنهاية (6/346) , تاريخ الطبري (2/256) .
(2) تاريخ الطبري (2/262) , تاريخ دمشق (25/157) .