فهرس الكتاب

الصفحة 45 من 588

فأما الأولى منها: فقد أنتجت هذه العقيدة أن الاستعمار الإسلامي لم يشبهه أي استعمار في التاريخ أبدا , لا في غايته و لا في مسالكه و إدارته و لا في نتائجه و فائدته , فإن المستعمر المسلم إنما كان يفتح الأرض حين يفتحها ليعلي فيها كلمة الحق , و ينير أفقها بسنة القرآن الكريم , فإذا أشرقت على نفوس أهلها شمس الهداية المحمدية فقد زالت الفوارق و محيت المظالم , و شملها العدل و الإنصاف و الحب و الإخاء , و لم يكن هناك فاتح غالب و خصم مغلوب , و لكن إخوان متحابون متآلفون , و من هنا تذوب فكرة القومية , و تنجاب كما ينجاب الثلج سقطت عليه أشعه الشمس قوية مشرقة أمام فكرة الأخوة الإسلامية التي يبثها القرآن في نفوس من يتبعونه جميعا .

إن ذلك الفاتح المسلم قبل أن يغزوا من غزا و يغلب من غلب , قد باع أهله , و تجرد من عصبيته و قوميته في سبيل الله , فهو لا يغزو لعصبية و لا يغلب لقومية و لا ينتصر لجنسية , و لكنه حين يعمل لله و لله وحده لا شريك له , و إن أروع ما أثر من الإخلاص في الغاية , و تجريد النفس من الهوى ما جاء في الحديث الشريف ما معناه أن رجلا جاء إلى النبي فقال له يا رسول الله , إني أحب أن أجاهد في سبيل الله , و أحب أن يرى موقفي فسكت النبي و لم يجبه , فنزلت الآية الكريمة:

(فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا) (الكهف:110) .

أرأيت كيف اعتبر الإسلام تطلع هذا الشخص إلى الثناء و المدح و هما من طبائع النفوس شركا خفيا يجب أن يتنزه عنه و يسمو بشرف الغاية النبيلة عنه ؟ و هل هناك أخلص من أن ينسى الإنسان نفسه في سبيل غايته ؟ و هل تظن أن رجلا يشترط عليه دينه أن يتجرد من نفسه و يكبت عواطفها و ميولها و أهواءها حتى يكون جهاده خالصا لله وحده , يفكر بعد هذا في أن يجاهد لعصبية أو يغزو لجنس أو قومية ؟ .. اللهم لا .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت