فهرس الكتاب
وإما شخص مغرم بتشقيق الكلام وتنميق الجمل والعبارات وإرسال الألفاظ فخمة ضخمة ليقول السامعون إنه عالم , وليظن الناس أنه علي شئ وليس هو علي شئ وليلقي في روعك أنه يود العمل ولا يقعده عن مزاولته إلا أنه لا يجد الطريق العملي إليه , وهو يعلم كذب نفسه في هذه الدعوى وإنما يتخذها ستارا يغطي به قصوره وخوره وأنانيته وأثرته ..
وإما شخص يحاول تعجيز من يدعوه ليتخذ من عجزه عن الإجابة عذرًا للقعود بالعلة
للخمول والمكسلة ، وسببًا للانصراف عن العمل للمجموع .
وآية ذلك عند هؤلاء جميعًا أنك إذا فاجأتهم بالطريق العمليّ , وأوضحت لهم مناهج العمل المثمر , وأخذت بأبصارهم وأسماعهم وعقولهم وأيديهم إلى الطريق المستقيم لوّوا رؤوسهم وحاروا في أمرهم وأسقط في أيديهم , وظهر الاضطراب والتردد في ألفاظهم وحركاتهم وسكناتهم وأخذوا ينتحلون المعاذير ويرجئونك إلى وقت الفراغ ويتخلصون منك بمختلف الوسائل ، ذلك بعد آن يكونوا أمضوك اعتراضًا وأجهدوك نقاشًا ومحاوره ، ورأيتهم بعد ذلك يصدون وهم مستكبرون .
وإنما مثلهم في ذلك كالذي حدثوا أن رجلًا أعد سيفا قاطعًا ورمحًا نافذًا وعدةً وسلاحًا ، وأخذ كل ليلة ينظر إليها ويتحرق أسفا ً لأنه لا يرى خصما أمامه يُظهر في نزاله براعته ويؤيد بحربه شجاعته ، فأرادت امرأة أن تختبر صدق قوله ، فأيقظته ذات ليلة مع السحر ونادته بلهجة المستغيث: قم أبا فلان فقد طرقتنا الخيل ، فاستيقظ فزعا تعلوه صفرة الجبن وتهز أوصاله رعدة الخوف ، وأخذ يردد في ذهول واضطراب: الخيل.. الخيل.. لا يزيد على ذلك ولا يحاول أن يدفع عن نفسه ، وأصبح الصبح وقد ذهب عقله خوفًا وإشفاقا ، وطار لبه وجلا ورعبا ، وما نازل خصما ولا رأى عدوا ، وذلك كما قال القائل:
وإذا ما خلا الجبان بأرض طلب الطعن وحده والنزالا
بل كما قال الله تبارك وتعالى: