فهرس الكتاب
فأما التعبد بتلاوة القرآن وقرائته آناء الليل وأطراف النهار فالنذر اليسير منا من عني بذلك وعمل عليه .. وأما بقية المتعبدين فلهم فيما وضعوا لأنفسهم ووضع لهم شيوخهم من أوراد وأحزاب ووظائف وصلوات ما تركوا به كتاب الله وأحلوه محله حفظًا و اهتمامًا وتعبدًا وتلاوةً وترديدًا وتكرارًا .
وما نحرم تلاوة الأوراد الصحيحة ، ولا نحول بين الناس والأدعية والأحزاب التي لا تخالف ظاهر الشريعة . ولكن نقول لهم: كتاب الله أولى أولًا ، رتبوا على أنفسكم منه أحزابًا تصل قلوبكم به وتربط أرواحكم بفيضه وإشراقه ، ثم اذكروا الله بعد ذلك بما شئتم من الصيغ التي تنطبق علي أحكام الدين . أما أن تهملوا القرآن جملة وتجعلوا عبادتكم كلها مما وضعتم لأنفسكم أو وضع غيركم لكم فترك لكتاب الله ، وإهمال لحقوقه .
وأما استنباط الأحكام منه فقد وقع الناس في جهالة بكتاب الله تجعل بينهم وبين ذلك حجابًا كثيفًا وسدًاُ منيعًا ، مما اضطرهم إلى القناعة بالملخصات والرضا بالتعليقات وقصر هممهم عن السمو إلى ما هو أرقي من ذلك من الغايات .
وأما تطبيق أحكامه الدنيوية فقد استبدلها القوم بغيرها وأحلوا سواها محلها ، وجعلوا تشريع الأجانب وما وضع الفرنسيون والرومان أساسًا لتشريعهم ومصدرًا لأحكامهم . وبذلك تعطلت أحكام كتاب الله وأصبحت بين المسلمين نسيًا منسيًا وفيها ـ علم الله ـ لهم كل خير لو كانوا يسمعون .. واكتفى المسلمون بعد هذا كله من القرآن الكريم بأن جعلوه تمائم لأمراضهم وزينة لمجتمعاتهم وسلوة في حفلهم وأفراحهم وأحزانهم . وليتهم إذ جعلوه كذلك أعطوه حقه بل تراهم في محله لاهين غافلين لاعبين منصرفين إلى اللغو والحديث واللهو العبث ، والله تبارك وتعالى يقول: (وَإِذَا قُرِئَ القرآن فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) (لأعراف:204) .