فهرس الكتاب
ومنها: أن المسيح لم يخبر عن هذه المهمة أحدًا من تلاميذه، وأن أحدًا منهم لم يعرف شيئًا عن ذلك، كما لم تخبر به النبوات على جلالة الحدث وأهميته.
ثم إنه قال قبيل الصلب والفداء المفترض:"أنا مجدتك على الأرض، العمل الذي أعطيتني لأعمل قد أكملته" ( يوحنا 17/5 ) ، فقد أكمل عمله على الأرض قبل الصلب، فكيف يقال: إنه جاء ليصلب، وقد أكمل عمله الذي لأجله جاء، ولما يصلب بعد.
وأخيرًا: هل تقبل محكمة عادلة متحضرة أن تأخذ البريء المتطوع لحمل وزر الخطيئة بذنب المجرم الخاطئ؟ إن أحدًا من البشر لا يصنع مثل هذا الخَرق، ومن باب أولى أن يتنزه الله الحكيم عنه.
لم أُرسل المسيح ؟
يحصر النصارى مهمة المسيح المتجسد بالصلب ليتحقق الحب الإلهي للبشر، والمتمثل بالفداء والخلاص ، كما قال يوحنا:"هكذا أحب الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد، لكي لا يهلك كل من يؤمن به، بل تكون له الحياة الأبدية" (يوحنا 3/16 ) .
وهو"الذي لم يشفق على ابنه، بل بذله لأجلنا أجمعين" ( رومية 8/32 ) .
ونص يوحنا قول مهم في بيان مهمة المسيح، لكن أحدًا لم يذكره غير يوحنا، فإما أن يكون القول من عنده كذبًا وزورًا، وإما أن نقول بأن الإنجيليين الثلاثة فرطوا أيما تفريط في ذكر أهم مقتضيات إرسال المسيح، وإما أن تكون الفقرة رأيًا ليوحنا وأتباعه ولا تصح عقيدة تتنادى البشرية للإيمان بها.
ويكذب هذا النص المهمات التي أطبقت على ذكرها الأناجيل، فمن لدن بعثة عيسى عليه السلام ذكر أن مهمته تذكير الناس بالقيامة والحساب وبعثة النبي الخاتم"قد تم الزمان واقترب ملكوت الله، فتوبوا وآمنوا بالإنجيل" ( مرقس 1/14 ) .
واستمر في دعوته قائلًا:"إنه ينبغي لي أن أُبشر المدن الأخر أيضًا بملكوت الله، لأني لهذا قد أُرسلت" ( لوقا 4/43 ) .
ومن مهماته إتمام الناموس، لذا تجده يقول:"لا تظنوا أني أتيت لأنقض الناموس، أو الأنبياء، ما جئت لأنقض، بل لأكمل" ( متى 5/17 ) .