ولو أن كافرين شهدا على كافر فعدلا فلما توجه القضاء أسلم المشهود عليه ثم أسلم الشاهدان مكانهما فإن القاضي يأمرهما بإعادة الشهادة ولا يعدلهما بعد الإسلام ويكتفي بالعدالة السابقة . إذا جاء الأمير بلدة فخرج الناس وجلسوا في الطريق ينظرون إليه قال خلف رحمه الله تعالى بطلت عدالتهم (ويتصل بهذا الفصل مسائل التزكية والتعديل ) والتزكية على نوعين تزكية السر وتزكية العلانية في تزكية العلانية يشترط أن يكون المعدل عدلا يعرف أحوال الناس وأسباب الحرج وشرائط العدالة ولا تصح من المغفل . وتقبل شهادته إذا لم تشتد غفلته ولا يشترط العدد في المزكي في قول أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله تعالى وقال محمد رحمه الله تعالى يشترط فيه العدد الاثنان فيما يثبت مع الشبهات والأربع فيما لا يثبت مع الشبهات وعلى هذا الخلاف رسول القاضي إلى المزكي والمترجم عن الشاهدان كان الشاهد أعجميا والمترجم عن الخصم إن كان الخصم أعجميا . وأجمعوا على أن ما يشترط في الشاهد من العدالة والبلوغ والحرية والبصر في تزكية العلانية يشترط ذلك في المزكي فلا يصح تعديل الأعمى والصبي والعبد والفاسق وأجمعوا على أنه لا يشترط لفظة الشهادة في تزكية العلانية . وصورة تزكية العلانية أن يجمع القاضي بين المعدل والشاهد فيقول المعدل للشاهد الذي عدله هذا الذي عدلته وصورة تزكية السر أن يبعث القاضي رسولا إلى المزكي أو يكتب إليه كتابا فيه أسماء الشهود وأنسابهم وحلاهم ومحالهم وسوقهم إن كان سوقيا حتى يعرف المزكى فيسأل عن جيرانهم وأصدقائهم فإذا عرفهم فمن عرفه بالعدالة يكتب تحت اسمه في كتاب القاضي إليه هو عدل جائز السهادة ومن عر فه بالفسق لا يكتب ذلك تحت اسمه بل يسكت احترازا عن هتك الستر ويقول الله أعلم إلا إذا عدله غيره وخاف أنه لو لم يصرح بذلك يقضي القاضي بشهادته فحينئذ يصرح بذلك ومن لم يعرفه لا بالعدالة ولا بالفسق يكتب تحت اسمه في كتاب القاضي مستور . ثم القاضي إن شاء يجمع بين تزكية العلانية وبين تزكية السر وإن شاء اكتفى بتزكية السر وفي زماننا تركوا تزكية العلانية واكتفوا بتزكية السر . ولا يقضي القاضي بظاهر العدالة في قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى ويسأل عن الشهود طعن الخصم في الشهود أو لم يطعن . وقال أبو حنيفة رحمه الله تعالى إن كان المدعي به حقا يثبت مع الشبهات كان له أن يقضي بظاهر العدالة ما لم يطعن الخصم في الشهود والفتوى على قولهما . وإذا طعن الخصم في الشهود لا يقضي بظاهر العدالة في قولهم زكذلك فينا لا يثبت مع الشبهات كالحدودو والقصاص يسأل عن الشهود في قولهم . إن لم يطعن الخصم في الشهود بل عدلهم فهو على وجوه ثلاثة إن قال هم عدول صدقوا فيما شهدوا علي أو قال هم عدول جائز شهادتهم لي وعلي أو قال هم عدول ولم يزد ففي الوجه الأول والثاني القاضي يقضي عليه بدعوى المدعي ولا يسأل عن الشهود لأنه أقر بالحق وإن قال هم عدول ولم يزد أو قال هم عدول إلا أنهم أخطؤا في الشهادة فهذا على وجهين إما أن كان المدعى عليه عدلا يصلح للتزكية أولا يصلح بأن كان مستورا أو فاسقا فإن كان عدلا يصلح للتزكية ينظر إن كان المدى عليه لم يجحد دعوى المدعي عن الجواب بل سكت حتى شهد عليه الشهود ثم قال هم عدول قال أبو حنيفة وأبو يوسف رحمهما الله تعالى القاضي يقضي للمدعي بشهادتهم ولا يسأل سواء كان المدعى به حقا يثبت مع الشبهات أو لا يثبت مع الشبهات . وقال محمد رحمه الله تعالى القاضي لا يقضي قبل السؤال بل يسأل عنهم لأن عنده وإن كان قول الخصم تعديلا في المزكى شرط عنده وعندهما لا يشترط العدد . وإن كان المدعى عليه عند دعوى المدعي جحد دعوى المدعي فلما شهد عليه الشهود قال هم عدول في بعض الروايات جعل هذا على الخلاف الذي تقدم عندهما يقضي القاضي من غير سؤال وعند محمد رحمه الله تعالى لا يقضي ما لم يسأل من غيره . وذكر في الجامع الصغير أن في هذا الوجه لايصح تعديل الخصم في قول أبي يوسف ومحمد رحمها لله تعالى ويكون تعديله بمنزلة العدم وفي بعض الروايات عن محمد رحمه الله تعالى في هذا الوجه يقول القاضي للخصم ماذا تقول أصدقوا في الشهادة أم كذبوا إن قال صدقوا فقد أقر بما ادعى المدعي وإن قال كذبوا لا يقضي هذا إذا كان المدعى عليه عدلا فإن كان فاسقا أو مستورا لا يصح تعديله ولا يقضي القاضي ولا يجعل قول الخصم هم عدول إقرارا على نفسه بالحق كما لو شهد عليه شاهد واحد فقال المدعى عليه هو عدل لا يكون قوله ذلك إقرارا فكذلك ههنا بخلاف ما إذا قال هم عدول صدقوا فإن ذلك إقرار وإذا لم يصح تعديله إذا كان فاسقا أو مستورا يسأله القاضي أصدق الشهود أم كذبوا فإن قال صدقوا كان ذلك إقرارا فيقضي القاضي بإقراره وإن قال كذبوا لا يقضي وإن كان المزكى اثنين فعدلهم أحدهما وجرحهم الآخر قال أبو حنيفة وأبو يوسف رحمهما الله تعالى الجرح أولى لأنه اعتمد على دليل غير ظاهر الحال فكان الجرح أولى كما