فهرس الكتاب
ابن عاشور… {فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم وجعلنا قلوبهم قاسية يحرفون الكلم عن مواضعه ونسوا حظا مما ذكروا به ولا تزال تطلع على خائنة منهم إلا قليلا منهم فاعف عنهم واصفح إن الله يحب المحسنين}
وقد جمعت الآية من الدلائل على قلة اكتراثهم بالدين ورقة اتباعهم ثلاثة أصول من ذلك: وهي التعمد إلى نقض ما عاهدوا عليه من الامتثال، والغرور بسوء التأويل، والنسيان الناشئ عن قلة تعهد الدين وقلة الاهتمام به.
والمقصود من هذا أن نعتبر بحالهم ونتعظ من الوقوع في مثلها. وقد حاط علماء الإسلام رضي الله عنهم هذا الدين من كل مسارب التحريف، فميزوا الأحكام المنصوصة والمقيسة ووضعوا ألقابا للتمييز بينها، ولذلك قالوا في الحكم الثابت بالقياس: يجوز أن يقال: هو دين الله، ولا يجوز أن يقال: قاله الله.
وقوله {ولا تزال تطلع على خائنة منهم} انتقال من ذكر نقضهم لعهد الله إلى خيسهم بعهدهم مع النبي صلى الله عليه وسلم. وفعل {لا تزال} يدل على الاستمرار، لأن المضارع للدلالة على استمرار الفعل لأنه في قوة أن يقال: يدوم اطلاعك. فالاطلاع مجاز مشهور في العلم بالأمر، والاطلاع هنا كناية عن المطلع عليه، أي لا يزالون يخونون فتطلع على خيانتهم.
والاطلاع افتعال من طلع. والطلوع: الصعود. وصيغة الافتعال فيه لمجرد المبالغة، إذ ليس فعله متعديا حتى يصاغ له مطاوع، فاطلع بمنزلة تطلع، أي تكلف الطلوع لقصد الإشراف.
والمعنى: ولا تزال تكشف وتشاهد خائنة منهم.
والخائنة: الخيانة فهو مصدر على وزن الفاعلة، كالعاقبة ، والطاغية. ومنه {يعلم خائنة الأعين} . وأصل الخيانة: عدم الوفاء بالعهد، ولعل أصلها إظهار خلاف الباطن. وقيل: {خائنة} صفة لمحذوف، أي فرقة خائنة.