فهرس الكتاب
وقد فهم هذا الفهم وهو إيجاب فسخ الحج بالعمرة فهم الصحابة أنه خاص بهم الإيجاب ، ولذلك قال أبو ذر كما في الرواية الصحيحة عنه:"متعتان لا تصلح إلا لنا - معشر أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - متعة النساء ومتعة الحج"أي أن إيجاب فسخ الحج بعمرة كان في ذلك العام للتشريع ، وتأكيدًا على جواز العمرة في أشهر الحج لأنهم كانوا حديثي العهد بالجاهلية ؛ لأنه كان الناس قد قدموا من كل صوب وحدب وأقبلوا طائعين للإسلام ، فكانوا على ما ألفوا أن العمرة في أشهر الحج فجور وقالوا: أنذهب إلى منىً ومذاكيرنا تقطر منيًا ، وقالوا: - يا رسول الله - ، أيّ الحل ؟! قال:"الحل كله"فلذلك كان الأمر بالعزيمة وأمروا بفسخ الحج والعمرة وبقي الأمر على السعة ، فقد حج أبو بكر - رضي الله عنه - جميع سنوات الخلافة وهي سنتان من بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كلها مفردًا ، وهذا بإجماع العلماء على أن أبا بكر في أيام خلافته ما حج إلا مفردًا ، وعمر - رضي الله عنه - وأرضاه- جميع سنوات الخلافة قرابة عشر سنوات ما حج إلا مفردًا ، وكذلك عثمان - رضي الله عنه - وأرضاه- ما حج إلا مفردًا ، وهذا طبعًا على ما كانوا يختارونه ، حتى كان عمر - رضي الله عنه - كان يرى إتمام الحج والعمرة أن يحرم بهما من دويرة أهله .
فالمقصود أن هذه الخلافة الراشدة وأبو بكر - رضي الله عنه - هو الذي يقيم للناس حجهم فلو كان الإفراد منسوخًا لما صح حج الناس ؛ لأن حج إمامهم العام وهو أبو بكر وعمر - رضي الله عنه - وعثمان - رضي الله عنه - كلهم حجوا بالناس مفردين ، ولذلك قالوا: إن هذا من مفردات ابن عباس - رضي الله عنه - وهو مأجور على اجتهاده وما أدى إليه قوله ، ولكن قول جماهير الصحابة موافق لسُّنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هو أولى وأحرى .