الصفحة 31 من 373

{أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى (6) وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى (7) وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى} .

مناسبة ارتباط هذه الآيات لما قبلها واضح، فهو تعالى يبث في نفس الرسول الطمأنينة ويثبت قلبه بلفته إلى ما أسبغ الله عليه في اولاه من نعم: كان يتيمًا، بل مضاعف اليُتم، فأواه ووقاه مسكنه اليتم، وكان ضالًا حائرًا، فهداه تعالى إلى دين الحق، وكان عائلًا فأغناه بفضله وكرمه، أفما يكفي هذا ليطمئن المصطفى إلى أن الله غير تاركه ولا مودعه؟ وهل تركه حين كان صبيًا يتيمًا معرضًا لما يتعرض له الصبية اليتامى من قهر وضياع؟ وهل قلاه حين كان ذا عيلة، حائرًا يرهقه التفكير في ضلال قومه ثم لا يدرى سبيل النجاة؟

لكن الآيات البينات لم تفهم بهذا اليسر، وإنما ذهب المفسرون إلى تأويلات شتى، لتحديد المقصود باليتم، والغنى، والضلال.

ونعرض أولًا أقوالهم في اليتم والإيواه، والعيلة واإغناء، والضلال والهدى، ثم نحتكم فيها إلى القرآن الكريم:

ففي اليتم والإيواء، قال"الرازي": إنه من قولهم درة يتيمة، والمعنى: ألم يجدك واحدًا في قريش عديم النظير، فآواك أي جعل لك من تأوى إليه وهو أبو طلب، وقرئ: فأوى - بالتخفيف، أى رحم.

ويقول الزمخشري، محقًا:"إن تفسير يتيم هنا بالدرة اليتيمة، من بدع التفاسير"وإنما اليتم عنده فقدان الأب، ومثله أبو حيان في البحر، وقال:"الراغب"في المفردات: اليتم - في آية الضحى - إنقطاع الصبي من أبيه قبل بلوغه.

وهذا هو الأصل في اليتم لغة، ثم قيل لكل منفرد: يتم، ومنه الدرة اليتيمة أي المفردة.

والقرآن استعمل اليتم، مفردًا ومثنى وجمعًا، ثلاثًا وعشرين مرة، كلها بمعنى اليتم الذي هو فقدان الأب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت