فهرس الكتاب
كان من عادة العرب أن يسترضعوا لأولادهم في البوادي حيث تتوفر لهم أسباب النشأة البدنية السليمة، وفي تلك الآونة التي ولد فيها محمد - صلى الله عليه وسلم - وصل إلى مكة جماعة من بادية بني سعد لهذا الغرض، وراحت النسوة منهن يطفن البيوت، وكن جميعا يعرضن عن محمد صلى الله عليه وسلم، ليتمه وفقره. وكانت حليمة السعدية واحدة من هؤلاء، فأعرضت كما أعرضن، ولكنها بعد طوافها أكثر البيوت لم تظفر ببغيتها، ولم تجد طفلا رضيعا تحمله معها، ليخفف أجره ما تعانيه من شظف العيش وقسوة الحياة، وخاصة في سنتها المجدبة تلك. فكرت راجعة إلى بيت آمنة راضية بالطفل اليتيم والأجر القليل. ولقد حضرت حليمة إلى مكة مع زوجها على أتان هزيلة، بطيئة السير، وفي طريق العودة، وهي تضع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجرها، كانت الأتان تعدو عدوا سريعا، وتخلف وراءها كل الدواب، مما جعل رفاق الطريق يعجبون كل العجب. وأيضا تحدثنا حليمة أن ثديها لم يكن يدر شيئا من الحليب، وأن طفلها الرضيع كان دائم البكاء من شدة الجوع، فلما ألقمت ثديها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - در غزيرا. وتحدث عن جدب أرضها في ديار بني سعد فلما حظيت بشرف رضاعة هذا الطفل أنتجت أرضها وماشيتها وتبدل حالها كله، من بؤس وفقر إلى هناء ويسر. وقضى محمد عليه الصلاة والسلام سنتين في رعاية حليمة وهي حريصة عليه كل الحرص، تحس من أعماقها بأشياء وأحوال غير عادية تحيط بهذا الطفل، وبعد هذه السنتين أتت به حليمة إلى أمه وجده في مكة، لكن حليمة التي رأت من بركته - صلى الله عليه وسلم - ما غير حالها ألحت على آمنة أن توافق على بقائه عندها مرة ثانية، فوافقت آمنة. وعادت حليمة إلى ديار بني سعد ومعها الطفل اليتيم تغمرها الفرحة، وتحلق بها السعادة.