الصفحة 34 من 53

استمر - صلى الله عليه وسلم - في سرية الدعوة، والمقصود بالسرية، سرية المكان الذي يجتمع فيه أصحابه وأتباعه، والأشخاص الذين يدعوهم ثم يسلمون، ولقد آمن به الكثيرون، ولكنهم كانوا يخفون إسلامهم، فإذا ما اكتشف أمر واحد منهم تعرض لأقسى صنوف العذاب من كفار قريش ليرتد عن الإسلام.

الدعوة الجهرية وبعد أن قضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثلاث سنوات في الدعوة الفردية أنزل الله: { فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين } فقام - صلى الله عليه وسلم - ذات يوم على الصفا ينادي قريشا، فاجتمع له نفركثير، ومن بينهم عمه أبو لهب، الذي كان من أكثر القرشيين عداوة لله ولرسوله. فلما اجتمع إليه الناس قال: أرأيتم إن أنبأتكم أن وراء هذا الجبل عدوا يتربص بكم، أمصدقي أنتم؟ فقالوا: ما عهدنا فيك إلا الصدق والأمانة. فقال: إني لكم نذير بين يدي عذاب شديد. ثم راح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يدعوهم إلى الله ونبذ ما هم فيه من عبادة الأصنام، وانتفض أبو لهب من بين القوم فقال: تبا لك، ألهذا جمعتنا؟ فأنزل الله بعد ذلك: { تبت يدا أبي لهب وتب، ما أغنى عنه ماله وما كسب، سيصلى نارا ذات لهب، وامرأته حمالة الحطب، في جيدها حبل من مسد } (المسد) ، واستمر النبي - صلى الله عليه وسلم - في دعوته وبدأ يجهر بها في أماكن تجمعاتهم ويدعوهم إلى الإسلام. وكان يصلي عند الكعبة. وزاد الأذى للمسلمين من الكفار. كما حدث لياسر وسمية وولدهما عمار، إذ مات الأبوان شهيدين وكانت سمية أول شهيدة في الإسلام وذلك بسبب التعذيب، وأيضا ما تعرض له بلال بن رباح الحبشي على يد أمية بن خلف و أبي جهل. فلقد دخل بلال الإسلام عن طريق أبي بكر فلما علم به سيده أمية بن خلف استعمل معه جميع وسائل التعذيب من أجل أن يترك الإسلام، إلا أنه أبى وتمسك بدينه. فكان أمية يأخذه إلى خارج مكة مقيدا بالسلاسل ويضع على صدره الصخرة العظيمة، بعد أن يمدده على الرمال اللاهبة، ثم ينهال

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت