قال أبو عبد الرحمن: هذا تخريج لما أورده الأستاذ عبد الفتاح مسندا إلى كتب النحو.. أما التأصيل الذي أعقله عنهم فهو أنهم قالوا: الواو تنقلب إلى ألف مثل دعو تكون دعا، بدليل أنك إذا تحدثت بالفعل الماضي قلت: دعوت.. لا دعيت.. وتقول: دعوة.. لا دعية، فتكتب دعا إذن على الألف.
وقالوا: الياء تنقلب إلى ألف في مثل سعي تكون «سعا» ، بدليل أنك إذا تحدثت بالماضي قلت: سعيت.. لا سعوت.. وتقول: سعيًا لا سعوًا، فتكتب على ياء غير منقوطة، ليعلم أن أصلها ياء، وأنها تنطق بالألف، لأنها غير منقوطة.
وما جاء على الوجهين فيجوز فيه الوجهان مثل محا محوا، ومحى محيًا.
ثم قال أهل الرسم الإملائي وبعض النحاة الذين أدخلوا فن الرسم في كتبهم: العبرة بالنطق، فيكتب الحرف كما ينطق به إلا ما استُثْني ككتابة دعا للدلالة على الأصل الواوي، وسعى للدلالة على الأصل اليائي.
والجواب عن هذا: أن يقال: وُفِّقْتم وهُدِيْتُمْ، إذ جعلتم العبرة بالنطق.. وهذا يعني رسم الحرف كما ينطق.
ثم يُقال ثانية: بَعُدْتم عن الإصابة، إذْ رسمتم اليائيَّ على الياء غير المنقوطة مع علمكم بأن النطق بالألف ، لتدلوا على أن الأصل يائي.. وبرهان هذا البعدِ عن الإصابة من أمور:
أوَّلها: أن العبرة نطقا وكتابة بالحرف بعد إبداله واستقراره على البدل، فإذا كانت دعوَ مماتة، وأن المستقر دعا بالألف، فلا عبرة بالواو لا رسمًا ولا نطقًا، ولهذا رسمتموها كما تنطق.. وإذا كانت سعَيَ مماتة، وأن المستقر سعا، فلا عبرة بالياء لا رسمًا ولا نطقًا، فلماذا فرقتم بين النطق والرسم، فكتبتموها بالياء وهي تنطق ألفًا، وقلتم لا عبرة بالكتابة بالياء، بل العبرة بالنطق بالألف.. فكيف ننطق بخلاف الرسم.. مع أن الرسم والنطق كليهما دلالة لغوية على المراد.. إلا أننا نفهم الرسم بوساطة البصر، ونفهم النطق بوساطة السمع؟!