أما البديع الهمذاني والحريري وكل المقامات فلا أُطيق قراءتها إلا للمثاقفة اللغوية وشبهها، وأبي طالب عقيل بن عطية، وابن القطان، والشاطبي صاحب الموافقات في دقة التأصيل والملاحظة والنظر إلى الفروق الدقيقة، وابن رشد والكاساني في حلاوة التبويب المنهجي، وديكارت وأمانوئيل كانط في منهجية الأول، ونقدية الثاني.. وأما محمود شاكر، ومصطفى صادق الرافعي، والمنفلوطي فلا أُطيق القراءة لهم إلا للمراجعة، فالأول إمام ولكنه يقعر ويطيل الكلام إلى حدِّ الإملال مع ضيق الموضوع، والآخران لا يناسب أسلوبهما إيقاع العصر.. على أن الرافعي أصح من خصومه توجهًا، وأقوى حجة.. وأستفيد وأستمتع بسعة علم أنستاس الكرملي، والبستاني في دائرة معارفه (لسعة ثقافته) .. ولكنني آخذ منهما بحذر.. وأعود إلا الزيات فأعلن تتلمذي على رسالته وهي تأتي في كراريس لا أحصل عليها في صغري إلا بشق الأنفس شراءً نادرًا، واستعارة تارة، وانقطاعا في الأكثر حتى أتيحت لي كاملة.. ومتعتي بما ينشره لغيره أكثر.. ولا أنكر جمال مقدماته للرسالة، ولكنها ليست كإيقاع سيد قطب مثلا، وعنصر المنطق والمادة المعنوية فيها قليل لكثرة تقصُّده للترسل والازدواج جمعًا بين منهج القدماء وروح العصر.. لا أستثني سوى ترجمته لرفائيل، فما أمتعها أسلوبًا وعاطفة ومحتوى.. وسر ذلك أن له الصياغة، والمحتوى لغيره، وهي تفوق ترجمتين أخريين نُقلتا إلى العربية من ناحية الجمال، أما المطابقة لمعاني اللغة المنقول عنها فلا أحذق ذلك إلا بمقارنة كمقارناتي لرباعيات الخيام [1] من تراجم عديدة، فوجدت من اتفاق الترجمات ولا سيما من نقل عن الفارسية، ولم ينقل عن فتزجرالد أنها أصح وأصدق، ووجدت أحمد رامي أجملهم أداء فنيًا، وأمتعهم إيقاعا مع أنه يعيش ظلال معاني الخيام لا لُبها.
(1) 50) طُبعتْ منذ ثلاثين عامًا بعنوان «الفناء الباقي في رباعيات الخيام، أو الانقلاب الذري» .. وهي مقارنة عن فلسفة الكوز.