الصفحة 14 من 31

ووجه الدلالة: أن النبي صلى الله عليه وسلم ترك الاعتكاف في المسجد لما رأى أبنية أزواجه فيه وقال"ألبرَّ تردن؟"فدل ذلك على أن المرأة ممنوعة من الاعتكاف في المسجد، وحيث إن الاعتكاف مشروع للمرأة كما هو مشروع للرجل - كما سبق - فتكون مشروعيته في مسجد بيتها [1] .

واعترض على هذا الاستدلال بعدم التسليم بأنَّ ترك النبي صلى الله عليه وسلم للاعتكاف لما رأى أبنية أزواجه فيه وكراهيته لاعتكافهن لأجل أن المرأة ممنوعة من الاعتكاف في المسجد، إذ لو كان الأمر كذلك لما أَذِنَ لهن أصلًا وقد استأذنَّه في الاعتكاف في المسجد فأذن لهن، لكن كراهيته عليه الصلاة والسلام لاعتكافهن لما رأى من تنافسهن الذي يخشى معه سوء القصد والنية ولهذا لما أمر بنزع الأخبية لم يأمرهن بالاعتكاف في بيوتهن، قال الموفق ابن قدامة رحمه الله:"إنما كره اعتكافهن في تلك الحال -حيث كثرت أبنيتهن - لما رأى من منافستهنَّ ولذلك قال:"آلبرَّ تردن -"منكرًا لذلك، أي لم تفعلن ذلك تبررًا، ولذلك ترك الاعتكاف لظنه أنهن يتنافسن في الكون معه، ولو كان للمعنى الذي ذكروه لأمرهنَّ بالاعتكاف في بيوتهن، ولم يأذن لهنَّ في المسجد" [2] اهـ.

2.أن الصلاة أخصَّ بالمساجد من الاعتكاف لأنها بنيت لها، فإذا كره لها الصلاة في المسجد فالاعتكاف من باب أولى، وإذا ثبتت كراهية الاعتكاف في المسجد، وهذه العبادة يستوي فيها الرجال والنساء فلابَّد أن تكون لها حالة لا تكره فيها وهي اعتكافها في مسجد بيتها [3] .

واعترض على هذا التعليل بأن حاصله قياس الاعتكاف على الصلاة ولا يصح هذا القياس لأمرين:

(الأول) أنه قياس في مقابلة النص فهو فاسد الاعتبار.

(الثاني) أنه قياس مع الفارق فإن صلاة الرجل للنافلة في بيته أفضل ومع ذلك لا يصح اعتكافه فيه باتفاق العلماء [4] .

3.أن الاعتكاف يمتد زمنه في الغالب، وتختلف فيه أحوال المعتكف من النوم إلى الجلوس إلى القيام والأكل، فلا يؤمن معه من الإطلاع على المرأة من الرجال الأجانب، واعتكافها في بيتها أستر لها [5] .

ويمكن الاعتراض على هذا التعليل بأنه تعليل في مقابلة النص فلا يلتفت إليه.

الترجيح:

بعد عرض قولي العلماء في هذه المسألة، وأدلتهم يظهر - والله أعلم - أن الراجح في هذه المسألة هو قول الجمهور، وهو أنه يشترط لصحة اعتكاف المرأة أن تعتكف في مسجد، ولا يصح أن تعتكف في

(1) - ينظر: التجريد (3/ 1582، 1583) .

(2) - المغني: 4/ 464).

(3) - ينظر: التجريد (3/ 1583) .

(4) - ينظر: المغني (4/ 465) ، فقه الاعتكاف للمشيقح (ص 126) .

(5) - ينظر: التجريد (3/ 1583) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت