فهرس الكتاب
بعد عرض قولي العلماء في هذه المسألة وما استدل به أصحاب كل قول يظهر - والله أعلم - أن الراجح فيها هو قول الجمهور وهو أن المعتكف ليس له الخروج من المسجد إلى منزله للأكل مادام أنه يمكنه ذلك في المسجد، وذلك لقوة أدلته، ولضعف ما استدل به أصحاب القول الثاني كما يظهر ذلك من المناقشة .. وبناء على قول الجمهور إذا خرج المعتكف للأكل في منزله بطل اعتكافه والله تعالى أعلم.
وأما خروج المعتكف من المسجد لشرب الماء في منزله مع إمكان ذلك في المسجد فلا يجوز في قول أكثر الفقهاء [1] حتى عند الشافعية [2] وبعض الحنابلة الذين يجيزون للمعتكف الخروج إلى منزله للأكل وقد فرقوا بين الأكل والشرب في المسجد بأنه في الأكل في المسجد تبذلاَّ ونقص مروءة بخلاف الشرب فليس فيه ذلك، ولهذا فإن استطعام الطعام مكروه واستسقاء الماء ليس بمكروه، وأكل الطعام في المسجد مما قد يستحيا منه بخلاف شرب الماء فليس مما يستحيا منه، قالوا: وقد استسقى رسول الله صلى الله عليه وسلم الماء ولم يستطعم الطعام [3] والصحيح أنه لا فرق بين الأكل والشرب، وكلاهما ليس بمسوغٍ للمعتكف الخروج من المسجد إلا إذا لم يجد من يأتيه بهما، وما ذكره من المعاني التي لأجلها سوّغوا للمعتكف الخروج من المسجد للأكل في منزله قد سبقت الإجابة عنها.
ومن أمثلة الخروج من المسجد لما لابّد منه شرعًا الخروج للوضوء أو لغسل الجنابة أو لصلاة الجمعة إذا كان اعتكافه في غير مسجد جامع.
أما الخروج للوضوء وغسل الجنابة فإن لم يمكنه الإتيان بهما في المسجد جاز له الخروج باتفاق الأئمة قال ابن هبيرة رحمه الله:"وأجمعوا على أنه يجوز للإنسان الخروج إلى ما لابّد منه لحاجة الإنسان والغسل من الجنابة ..." [4] .
وإذا كان بقرب المسجد سقاية أو ما يسمى في وقتنا الحاضر بدورات المياه فهل له الخروج إلى منزله للوضوء وغسل الجنابة؟
اختلف الفقهاء في هذه المسألة على ثلاثة أقوال:
القول الأول: ليس له الخروج إلى منزله في هذه الحال ويلزمه التطهر في سقاية (دورات مياه) المسجد.
وإليه ذهب الحنفية [5] والشافعية إلا أنهم يستثنون الوضوء إذا كان بعد قضاء الحاجة [6] .
القول الثاني: له الخروج إلى منزله في هذه الحال والإتيان بالطهارة الواجبة. وإليه ذهب المالكية [7] .
(1) - بدائع الصنائع (2/ 117) ، مواهب الجليل (2/ 456) ، روضة الطالبين (2/ 404) ، كشاف القناع (2/ 356)
(2) - وفي وجهٍ عند الشافعية أن ذلك يجوز لكن الصحيح عندهم عدم الجواز. انظر: الحاوي الكبير (3/ 493) ، فتح العزيز (6/ 532) ، المجموع (6/ 505)
(3) - ينظر: الحاوي الكبير (3/ 493) ، المغني (4/ 468) ، المجموع (6/ 505) مغني المحتاج (1/ 454) .
(4) - الإفصاح (1/ 259) .
(5) - ينظر: الاختيار لتعليل المختار (1/ 138) ، حاشية ابن عابدين (2/ 132) .
(6) - ينظر: فتح العزيز (6/ 534) ، المجموع (6/ 503) .
(7) - ينظر: مواهب الجليل (2/ 462) ، جواهر الإكليل (1/ 159) .