الصفحة 24 من 31

واعترض على هذا الاستدلال بأنَّ حاصله قياس الاشتراط في الاعتكاف على الاشتراط في الحج، والاشتراط في الحج الذي دلّت السنة على مشروعيته إنما هو في حق من حصل له مانع من إتمام الحج فقط، ولهذا لا يصح أن يشترط في الحج شروطًا أخرى كترك بعض الواجبات أو فعل بعض ما ينهى الحاج عن فعله، وعلى هذا القياس ينبغي أن يقتصر المعتكف في شرطه على المانع الذي يمنعه من إتمام الاعتكاف كما في الحج (وهذا إنما يكون على قول من يرى لزوم ما نواه من الاعتكاف إذا شرع فيه) ، وهذا لا يقول به المصححون للاشتراط حيث يرون أن المعتكف له أن يشترط أفعالًا في اعتكافه من فعل بعض الطاعات كعيادة المريض أو بعض المباحات مما لا ينافي الاعتكاف كتناول العشاء في أهله .. ، وبهذا يتبين أنه لا يستقيم هذا الاستدلال [1] .

2.حديث عمرو بن عوف رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"المسلمون على شروطهم" [2] وهذا عام يشمل الاعتكاف وغيره [3] .

ويمكن مناقشة هذا الاستدلال بأن هذا الحديث إنما هو في غير العبادات مما يقبل الاشتراط كالبيوع والأنكحة ونحوها، أما العبادات فلا يدخلها الاشتراط إلا في الحج في حق من حصل له مانع من إتمامه فقط، وإلا لو فتح باب الاشتراط في نوافل العبادات وأجيز للمتنفل اشتراط ما يخالف أحكام

(1) - ينظر: شرح عمدة الفقه للجبرين (ص 611) .

(2) - أخرجه الترمذي في سننه (4/ 584) ، والحاكم في المستدرك (4/ 101) ، الدارقطني في سننه (3/ 27) ، من حديث عمرو بن عوف مرفوعًا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وفي سنده: كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف قال عنه ابن عدي: عامة أحاديثه لا يتابع عليه، وقال عنه الشافعي: من أركان الكذب، وقال عنه ابن حبان: له عن أبيه عن جده نسخة موضوعة .. وقال الدارقطني: متروك، ومع ذلك فقد قال الترمذي عن هذا الحديث: (حديث حسن صحيح) اهـ، وقد انتقد الترمذي لتصحيحه هذا الحديث، قال الحافظ الذهب في ميزان الاعتدال (3/ 407) : (أما الترمذي فقد روى هذا الحديث وصححه، فلهذا لا يعتمد العلماء على تصحيح الترمذي) اهـ. لكن قال الحافظ ابن حجر في الفتح (4/ 451) (كثير بن عبد الله ضعيف عند الأكثر، لكن البخاري ومن تبعه كالترمذي وابن خزيمة يقوون أمره) اهـ، وقال في بلوغ المرام (ص183) : (كأنه اعتبره - أي الترمذي - بكثرة طرقه) اهـ.

وقد روي هذا الحديث من طرق متعددة، فروي من حديث عمرو بن عوف، ومن حديث أبي هريرة، ومن حديث عائشة، ومن حديث أنس بن مالك، ومن حديث رافع بن خديج، ومن حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، ولذلك فقد ذكره البخاري في صحيحه (1/ 4/451) معلقًا بصيغة الجزم، وقال الشوكاني في نيل الأوطار: (ولا يخفى أن الأحاديث المذكورة والطرق يشهد بعضها لبعض، فأقل أحوالها أن يكون المتن الذي اجتمعت عليه حسنًا) اهـ، وقد تكلم محمد ناصر الدين الألباني في إرواء الغليل (5/ 142 - 146) عن طرق وشواهد الحديث بالتفصيل ثم قال: (وجملة القول أن الحديث بمجموع هذه الطرق يرتقي إلى درجة الصحيح لغيره .. ) اهـ. وانظر: نصب الراية (4/ 112) .

(3) - ينظر: شرح الزركشي على مختصر الخرقي (3/ 10) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت