فهرس الكتاب
ثم قال القس المحترم: كأن المعترض لم يعرف أن استعمال مثل هذه الألفاظ البشرية في جانب الله جائز، ليقرّب لعقولنا الأمور المعنوية، فإن الله لا يخاطبنا بلغة الملائكة بل بلغتنا واصطلاحاتنا لندرك حقائق الأمور, وعلى هذا فهو يقول لنا إن الله ندم، بمعنى أنه غيَّر قضاءه بسبب تغيير الشروط التي سبق ووضعها, ولو أن هذا الندم يختلف عن ندم الإنسان، فالإنسان يندم بسبب عدم معرفته لما سيحدث, وهذا لا ينطبق على الله، الذي ليس عنده ماضٍ ولا مستقبل، بل الكل عنده حاضر,
فعندما نقول إن الله يحب ويكره ويتحسَّر ويندم، لا نقصد أن له حواس مثل حواسنا، وإنما نقصد أنها مواقف لله إزاء ما يفعله البشر,
و هنا يزعم عبد النور أن استعمال مصطلحات مثل الندم )جائز) من قبل الله ليقرب لنا الصورة محاولًا العزف على وتر إثبات بلا تشبيه , و قد سقط بهذا التعدى المريع فهناك صفات لا يجوز إثباتها لله ابتداءً بأى حال من الأحوال بصرف النظر عن كيفها لأنها نقص محض كصفة الندم و التعب و النوم و البكاء و العجز و النسيان و التجسد (و كلها قد نسبها الكتاب المقدس لله تعالى) ,و لا حجة للنصارى في القول أن الصفات ليست على حقيقتها فنحن نثبت الصفة لله تعالى بلا تشبيه ,و لكن هناك قطعًا قدرًا مشتركًا نعقله بقلوبنا و لا يوجد في الخارج مشتركًا إذ المعنى المشترك لا يوجد إلا في الأذهان و لا يوجد في الخارج إلا معينًا مختصًا فنثبت الصفة لله بما يليق بجلاله و نثبت الصفة للمخلوق بما يليق به , و القول بغير ذلك سيدخلنا في دوامة سوفسطائية عقيمة فهل يجوز أن نقول بأن الله سبحانه و تعالى (يتوجع أو يمرض أو يقضى الحاجة) بحجة أن الصفة ليس على أصلها أو أنها تقريبية؟! (أستغفر الله العظيم)