ولذلك يسمى (الحداء) و (الشعر) و (الكلام المسجوع) كلّه من الغناء، إذا حسن الصوت به، ويظهر هذا في قوله - صلى الله عليه وسلم-: (( ليس منا من لم يتغنَّ بالقرآن ) ).
وفي قوله - صلى الله عليه وسلم-: (( ما أذِنَ الله لشيء أذنه لنبي أن يتغنَّ بالقرآن ) ).
أي: يحسن صوته به، وجلُّ القرآن مسجوع، ولذلك دخل في هذا الباب.
ومن نظر إلى النصوص من أفعال الصحابة وكذلك أشعار العرب وجد أنهم يطلقون الغناء ويستعملونه على الشعر والحداء، حتى استشكل على كثير من المتأخرين، وظنّوا أن ما يطلق من أقوالهم أن المراد به الغناء باصطلاح المتأخرين، وهذا غاية الجهل وسوء الفهم، فإن هذا لم يكن عندهم مطلقًا.
وقد طرأ سوء الفهم في إطلاقات بعض السلف، وما جاء في النصوص من كلام النبي- صلى الله عليه وسلم- وكلام الصحابة عند بعض الأئمة من الفقهاء، ولذلك لما ذكر ابن رجب رحمه الله في"ذيل طبقات الحنابلة"عند ترجمته لعبد الرحمن بن نجم الشيرازي المشهور بـ (ابن الحنبلي) وهو من كبار الفقهاء في مذهب الإمام أحمد، حتى لما قدِم إلى ابن قدامة عليه في العام الذي توفي فيه، قال له ابن قدامة: لقد سررت بمقدمك، فإني خشيت أن أموت فيقع وهَنٌ بالمذهب ويقع الخلافٌ بالأصحاب.