واعلم أن سلف هذه الأمة من الخلفاء الأخيار لم يكن يشهر الدعاء لهم في الخطب ولا في غيرها ، مع صلاحهم وعدلهم واستقامة علانيتهم وسرائرهم وكانوا هم أفضل خلق الله على وجه الأرض في زمانهم ، أعني الخلفاء الراشدين ، ثم لما حصل التبديل والتغيير وفشا في الولاة الأثرة والجور ،أكرهوا الخطباء على الدعاء لهم ، ولم يزل الأمر يزداد ويكثر ، كلما ابتعد الولاة عن تطبيق شرع الله والحكم به في أنفسهم وفي الناس وكلما زاد الجور والظلم على الرعية والأثرة بالأموال ومتاع الدنيا من دونهم ، كلما زادوا رغبة في إظهار الدعاء لهم والثناء عليهم في كل محفل ، حتى غدا ذكرًا على ألسنة بعض المرتزقة المتنفذين الثناء على الولاة والدعاء لهم يلهمونه كما يلهمون النفس .
ولعل بعض الناس يستدل بما أثر عن البربهاري وغيره من إجازة الدعاء للسلطان ، وهذا بعيد عما نحن فيه ، إذ لم يقل هو ولا غيره إن ذلك يشهر في الخطبة والقنوت .
وكذلك ما أثر عن الفضيل بن عياض في الدعاء للسلطان لم يذكر أنه يشهر ذلك ، بل حسب الداعي أن يدعو في خلوته مع نفسه لو أراد الاستنان بفعل بعض السلف ، لا أن يشهر ذلك .
ثم كيف يسوغ التطويل في الدعاء للسلطان وقد علمت ما قاله الأئمة في التطويل في عموم الدعاء .
ولا ريب أن إحساس المصلين بالسآمة والملل والتضجر من التطويل في الدعاء للسلطان أشد وأكبر مما لو أمنوا على دعاء مأثور يشملهم ويعمهم . ولو تأمل هذا الإمام الذي يطيل في دعائه للسلطان أن إطالته تلك قد تعكس المطلوب ، لأنه يكره الناس على ما لا يريدون ، وفي ذلك ما فيه لمن تدبر وتعقل .
وليجعل الداعي همته وهمه وشغله في اتباع السنة إرضاء لله لا إرضاء الناس .
ثم لم يواظب على ذلك في كل خطبة وقنوت مع أنه محدث ، وقد نص الأئمة على ترك بعض السنن الثابتة أحيانًا لئلا يظن وجوبها أو لغير ذلك من الأسباب ، كما في قراءة السجدة والإنسان فجر الجمعة ؟ انظر المغني [3/252] .