الصفحة 79 من 150

ومع تدبر عشرات السور المكية نرى إخلاص التوحيد من كل شائبة هو السمة الغالبة، وأن داعى التوحيد يتناول النصارى كما يتناول غيرهم، بل ربما كان الحَجَاج أكثر انطباقا عليهم وتأمل في قوله تعالى في سورة الأنبياء المكية (وقالوا اتخذ الرحمن ولدا سبحانه بل عباد مكرمون * لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون * يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون * ومن يقل منهم إني إله من دونه فذلك نجزيه جهنم....) إن السياق هنا ألصق بالنصرانية التى تجعل عيسى إلها، أو تجعل لله ولدا، وهى تكشف عن أن عيسى يرفض كل غلو في ذاته، وأنه ليس إلا واحدا من العباد الذين يقفون بين يدى الله تملكهم مشاعر الرغبة والرهبة، وتحركهم عواطف الخوف والرضا. واللغز الذى لا حل له إلى آخر الدهر أن إخواننا النصارى يؤمنون بأن الثلاثة واحد، وأن الأب والابن والروح كل منهم إله، وهم في الوقت نفسه إله واحد ! وقد نقلنا في مكان آخر اعتذار بعضهم لهذا التناقض الظاهر بأن الابن يعنى صفة الحياة، والروح القدس يعنى صفة العلم، وأن الذات واحدة، وضرب لذلك مثلا بالشمس وحرارتها ونورها، وربما زاد آخرون فقالوا: يشبه ذلك ابتداء سور القرآن باسم الله الرحمن الرحيم ! والاعتذار موضع تأمل، إن الذات يمكن أن توصف بصفات كثيرة لا بصفة واحدة أو صفتين اثنتين! ونحن مع أولى الألباب نصف الرب الأعلى بكل كمال، لكن الوصف عَرضٌ لا يقوم وحده، ولا يُتصور إلا قائما بذات. وإذا كنت كارها لأحد العلماء فهل أستطيع إطلاق الرصاص على صفة العلم فيه فأقتلها وأصلبها، وتبقى الذات سليمة؟؟ إن هذا الاعتذار يكشف الحيرة المستكنة عند أصحابه، والزعم بأن عيسى صفة العلم، وجبريل صفة الحياة زعم مردود ومضحك. ص _082

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت