الصفحة 80 من 150

الواقع أن النصارى الأوائل كانوا موحدين مثلنا، وأن التوحيد ساورته أوهام قلة كانت أول أمرها مغموصة ثم استفحل خطرها على مر الأيام، فانضم الغلو الباطل إلى أصل الإيمان وسارا معا على نحو غامض. فالمسيحى يشعر بأنه عبد لله، ويقتنع بأنه واحد، ثم يقبل على تساهل وترخص أن يكون هناك إله ثان وثالث، ولكنهما ضميمة موروثة لا تثبت على التمحيص، فإذا نوقش هرب إلى التوحيد، وإذا تُرك وزع عواطفه على بعض الثلاثة، ويغلب أن يكون الابن هو الظافر الأكبر بالدعاء والولاء ! وصلة النصارى بالرب يسوع المسيح هى التى تشيع بينهم، أما الصلات الأخرى فتابعة وثانوية، إن للابن نصيب الأسد من مشاعر العباد، أما الإله الأب فيجىء تاليا، وأخيرا يجىء روح القدس إن وجد مكانا..!! أما الإسلام فتوحيده لله محض، نقى، سائغ، صادق، إنه الإيمان الذى جاء به نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد، وإلى جانب هذا الإعلاء للذات الأقدس، فالمرسلون جميعا عباد صالحون، شرفهم أنهم يتقنون العبودية للواحد الكبير، ويدعون الناس طرا إلى عبادته وحده. هل هذا الطراز من الإيمان هو العيب الذى نوصم به؟ أو الذنب الذى اقترفناه؟ أو الخطأ الذى تعبأ قوى العالم لمحوه طورا بالحديد والنار، وطورا بالخديعة والحيلة..؟ (وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين أأسلمتم فإن أسلموا فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما عليك البلاغ والله بصير بالعباد) وشىء آخر لا بأس من ذكره. إن الجن عالم يشبه عالم الإنس في تكاليف العقائد والعبادات وأهل الكتاب جميعا يؤمنون بوجودهم وإن كنا لا نراهم. وقد لاحظت أن قصة التعدد وصلت إليهم، وأنهم لم يعرفوا وحدة الإله إلا بعد ما جمعوا القرآن، فانظر ماذا يقولون؟ (….إنا سمعنا قرآنا عجبا * يهدي إلى الرشد فآمنا به ولن نشرك بربنا أحدا * وأنه تعالى جد ربنا ما اتخذ صاحبة ولا ولدا * وأنه كان يقول سفيهنا على الله شططا) ص _083

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت