فهرس الكتاب
والقول بالجواز عند توفر الحاجة الحقيقية في حق شخص معين مبناه على: أن المنع يستند إلى قاعدة الذرائع، وقاعدة منع التعاون على الإثم والعدوان، والفرض في مسألتنا أن الشركة مباحة في الأصل، والمحرم طارئ عليها.
وهاتان القاعدتان مكملتان لما هو عونٌ وذريعةٌ إليه، ويقابلهما في الطرف الآخر أصلُ الإذن، الذي هو مكمَّلٌ، لا مكمِّل [1] .
ويتوجه القول بالجواز المقيد بالشخص لا بالعموم إذا استحضرنا أن الاسترسال بمنع المباحات لأجل عوارضها، يوشك"أن يُصارَ فيه إلى الحرج الذي رفعه الشارع، لأنه مظنته، إذ عوارض المباح كثيرةٌ، فإذا اعتُبِرت؛ فربما ضاقَ المسلك، وتعذَّرَ المخرج" [2] ، ولما كان إهمال أصل الإباحة هو المؤدي إلى ذلك، لم يسُغ الميلُ إليه، ولا التعريجُ عليه [3] .
من أجل ذلك لم يسغ المنع من الإسهام في الشركات المتعاملة بالمحرم بإطلاق، والمبالغة في مراعاة الذرائع في جميع الأحوال، لأن ذلك يؤدي إلى تعطيل كثيرٍ من المصالح.
ويقال أيضًا: مع التسليم بأن في الإسهام في هذا النوع من الشركات فيه نوع إعانة على الإثم، إلا إنه"قد تجوز المعاونة على الإثم والعدوان، والفسوق والعصيان، لا من جهة كونه معصية، بل من جهة كونه وسيلةً إلى مصلحة" [4] ، والتحقيق في هذا أنَّه ليس إعانةً على الإثم والعدوان، بل هو إعانةٌ على درء المفاسد، فكانت المعاونة على الإثم والعدوان فيها"تبعًا لا مقصودًا" [5] .
(1) الموافقات (1/ 162) .
(2) المرجع السابق (1/ 163) .
(3) المرجع السابق.
(4) قواعد الأحكام؛ للعز بن عبد السلام (1/ 109) ، وذكر لذلك أمثلة يحسن الرجوع إليها، منها: ما يُبذَلُ في افتكاك الأسارى؛ فإنه حرامٌ على آخذيه، مباحٌ لباذليه.
(5) المرجع السابق.