فهرس الكتاب
ولا نتكلم عمّن انتفت جميع الأعذار بحقه ، عند الجاهل والعالم .. كمن هو صراحة على غير دين الإسلام ..
ولكن ، وكما ذكرت آنفًا ، فإن مسائل الأعذار الشرعية مستقاها الشرع وليس العقل المجرد .. لذلك فإن ما ينتفي عقلًا وعند صاحبه يصح نقلًا ، لا يحكم عليه بالكفر إن قصد اتباع الحق .
يقول ابن تيمية - رحمه الله - في [مجموع الفتاوى: 19/212] :
[-- فَإِنَّ الْكُفْرَ وَالْفِسْقَ أَحْكَامٌ شَرْعِيَّةٌ ، لَيْسَ ذَلِكَ مِنْ الْأَحْكَامِ الَّتِي يَسْتَقِلُّ بِهَا الْعَقْلُ ... وَحِينَئِذٍ فَإِنْ كَانَ الْخَطَأُ فِي الْمَسَائِلِ الْعَقْلِيَّةِ - الَّتِي يُقَالُ إنَّهَا أُصُولُ الدِّينِ - كُفْرًا ، فَهَؤُلَاءِ السَّالِكُونَ لهَذِهِ الطُّرُقَ الْبَاطِلَةَ فِي الْعُقَلِ ، الْمُبْتَدَعَةِ فِي الشَّرْعِ ، هُمْ الْكُفَّارُ ، لَا مَنْ خَالَفَهُمْ . وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْخَطَأُ فِيهَا كُفْرًا ، فَلَا يَكْفُرُ مَنْ خَالَفَهُمْ فِيهَا ، فَثَبَتَ أَنَّهُ لَيْسَ كَافِرًا فِي حُكْمِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ عَلَى التَّقْدِيرَيْنِ . وَلَكِنْ مِنْ شَأْنِ أَهْلِ الْبِدَعِ أَنَّهُمْ يَبْتَدِعُونَ أَقْوَالًا يَجْعَلُونَهَا وَاجِبَةً فِي الدِّينِ ، بَلْ يَجْعَلُونَهَا مِنْ الْإِيمَانِ الَّذِي لَا بُدَّ مِنْهُ ، وَيُكَفِّرُونَ مَنْ خَالَفَهُمْ فِيهَا ، وَيَسْتَحِلُّونَ دَمَهُ ؛ كَفِعْلِ الْخَوَارِجِ وَالْجَهْمِيَّة وَالرَّافِضَةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ وَغَيْرِهِمْ . --]
فهم بنوا تكفيرهم لهؤلاء العلماء بمجرد العقل ، إذ لم يستسيغوا إعذارهم وكلامهم مناقض لأفهامهم .. فكفروهم جزافًا وافتراءً على الله الكذب .
وفي الباب التالي سأذكر بعضًا من خلافات العلماء في مسائل الإعذار ، إن شاء الله ، ولكن هذا لم يقتض منهم تكفير بعضهم لبعض .
فجماع الأمر هو .. أن العلماء يخطئون في إعذار من يمكن إعذاره من أدعياء الإسلام ، ولا يعذرون من لا يمكن إعذاره من الذين يتبعون صراحة غير دين الإسلام .
ففي الأول إن هم اجتهدوا في اتباع الدليل الشرعي ، ورأوا الجهل عذرًا في هؤلاء الذين يمكن إعذارهم ، فهؤلاء معذرون ، وغاية ما يمكن لهذا العذر الجديد (العذر بالجهل) أن يكون بدعة .. تغفر لصاحبها إن اجتهد ورام الحق .