الصفحة 46 من 95

ومنهم من لم يعذر بالجهل الشاك في قدرة الله تعالى ، والذي أوصى أهله أن يحرّقوه .. حيث قالوا إن اعتقاد القدرة المطلقة لله تعالى هي من ركائز الفطر ، ولا يمكن لأحد أن يدخل الإسلام وهو يرى أن ربّه عاجز غير قادر عليه .. فأولّوا الحديث وقالوا: إنما هو عنى بكلمة"يقدر"أي"يضيّق"..

وبعض المشايخ ، لم يعذروه كذلك بالجهل ، بل أعذروه بانتفاء القصد .. قالوا: الصواب عندنا أنه قالها فرقًا وخوفًا حتى لم يعلم ما قال .. ولعلّه هجر عند موته وهذى ، حتى لم يعلم ما قال .

وابن تيمية - رحمه الله - يعذره بالجهل ، كما هو واضح في صريح مذهبه .

يقول ابن حجر العسقلاني - رحمه الله - في فتح الباري [6/522-523] :

[-- قوله: (فوالله لئن قدر الله عليّ) ، في رواية الكشميهني: (لئن قدر عليّ ربي) . قال الخطابي: قد يستشكل هذا ، فيقال: كيف يغفر له وهو منكر للبعث والقدرة على إحياء الموتى ؟ والجواب أنه لم ينكر البعث ، وإنما جهل ، فظنّ أنه إذا فعل به ذلك لا يعاد فلا يعذب ، وقد ظهر إيمانه باعترافه بأنه إنما فعل ذلك من خشية الله . قال ابن قتيبة: قد يغلط في بعض الصفات قوم من المسلمين فلا يكفرون بذلك ؛ وردّه ابن الجوزي وقال: جحده صفة القدرة كفر اتفاقًا ، وإنما قيل إن معنى قوله: (لئن قدر الله عليّ) أي: ضيّق ، وهي قوله: { وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ } أي: ضيّق ، وأما قوله: (لعلي أضلّ الله) فمعناه: لعلي أفوته ، يقال: ضلّ الشيء إذا فات وذهب ، وهو كقوله: { لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسَى } ، ولعل هذا الرجل قال ذلك من شدة جزعه وخوفه ، كما غلط ذلك الآخر فقال: أنت عبدي وأنا ربك ، ويكون قوله: (لئن قدّر عليّ) بتشديد الدال أي: قدّر عليّ أن يعذبني ليعذبني ، أو على أنه كان مثبتًا للصانع ، وكان في زمن الفترة ، فلم تبلغه شرائط الإيمان ، وأظهر الأقوال أنه قال ذلك في حال دهشته وغلبة الخوف عليه ، حتى ذهب بعقله لما يقول ، ولم يقله قاصدًا لحقيقة معناه ، بل في حالة كان فيها كالغافل والذاهل والناسي ، الذي لا يؤاخذ بما يصدر منه ، وأبعد الأقوال قول من قال إنه كان في شرعهم جواز المغفرة للكافر . --]

فهؤلاء لم يستسيغوا إعذار من شكّ في قدرة الله تعالى بالجهل .. ورأوا أن الجهل لا يصحّ عذرًا في هذه المسألة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت