الصفحة 50 من 95

[-- قال القاضي أبو محمد: والظاهر من مقالة بني إسرائيل لموسى: { اجعل لنا إلهًا كما لهم آلهة } أنهم استحسنوا ما رأوه من آلهة أولئك القوم ، فأرادوا أن يكون ذلك في شرع موسى ، وفي جملة ما يتقرب به إلى الله ، وإلا فبعيد أن يقولوا لموسى: اجعل لنا صنمًا نفرده بالعبادة ونكفر بربك ، فعرفهم موسى أن هذا جهل منهم ، إذ سألوا أمرًا حرامًا فيه الإشراك في العبادة ، ومنه يتطرق إلى إفراد الأصنام بالعبادة ، والكفر بالله - عز وجل - ، وعلى هذا الذي قلت يقع التشابه الذي قصه النبي - صلى الله عليه وسلم - في قول أبي واقد الليثي له في غزوة حنين ، إذ مروا على دوح سدرة خضراء عظيمة: اجعل لنا يا رسول الله ذات أنواط كما لهم ذات أنواط ، وكانت ذات أنواط سرحة لبعض المشركين يعلقون بها أسلحتهم ولها يوم يجتمعون إليها فيه ، فأراد أبو واقد وغيره أن يشرع ذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الإسلام ، فرأى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنها ذريعة إلى عبادة تلك السرحة ، فأنكره وقال: ( الله أكبر قلتم والله كما قالت بنو إسرائيل { اجعل لنا إلهًا كما لهم آلهة } لتتبعن سنن من قبلكم ) .

قال القاضي أبو محمد: ولم يقصد أبو واقد بمقالته فسادًا ، وقال بعض الناس كان ذلك من بني إسرائيل كفرًا ، ولفظة الإله تقتضي ذلك ، وهذا محتمل ، وما ذكرته أولًا أصح عندي ، والله تعالى أعلم --]

وقال البغوي - رحمه الله - في تفسيره لهذه الآية:

[-- { قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا } أي: مثالًا نعبده { كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ } . ولم يكن ذلك شكًا من بني إسرائيل في وحدانية الله ، وإنما معناه: اجعل لنا شيئًا نعظمه ونتقرب بتعظيمه إلى الله - عز وجل - ، وظنوا أن ذلك لا يضر الديانة ، وكان ذلك لشدة جهلهم --]

وقد ذكر الألوسي - رحمه الله - أيضًا اختلاف العلماء في هؤلاء الذين طلبوا من موسى - عليه السلام - ذلك ، فقال في تفسيره:

[-- ثم إن هذا الطلب لم يكن - كما قال محيي السنة البغوي - عن شك منهم بوحدانية الله - تعالى - ، وإنما كان غرضهم إلهًا يعظمونه ويتقربون بتعظيمه إلى الله - تعالى - ، وظنوا أن ذلك لا يضر بالديانة ، وكان ذلك لشدة جهلهم ، كما أذنت به الآيات ، وقيل: إن غرضهم عبادة الصنم حقيقة ، فيكون ذلك ردة منهم ، وأيًا ما كان ، فالقائل بعضهم لا كلهم --]

فهل على من يكفّرهم أن يكفّر من لا يكفرهم ؟؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت