فهرس الكتاب
قلنا: هذا صحيح ، ولا يجادل فيه مسلم ، ومن أنكره فهو كافر .. فكل مسلم يقول إن من عبد غير الله فهو كافر .. هل ترى أحدًا ينكر هذا أو يرى أن عبادة غير الله والإشراك به توحيد ؟
ولكن الخلاف يقع في تنزيل هذا الحكم فيمن يشتبه حاله على البعض ، ممن ينتسب إلى الإسلام ويدعي التوحيد ، ويُظهر المتابعة للنبي - صلى الله عليه وسلم - .. فمع إقرار المرء بأن فعلهم شرك وكفر ، إلا أنه لا يعلم هل هو معذور لجهله أم لا ؟ .. بمعنى أنه تختلط عليه الأعذار الشرعية ، فلا يعلم أن الجهل لا يصح مانعًا في الشرك الأكبر (على مذهب بعض العلماء) .
فالخلاف إذن ليس في تكفير عابد غير الله ، إنما الخلاف في الأعذار الشرعية في حق ممن ينتسب إلى الإسلام وينطق بالشهادتين ويدعي متابعة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .
وقد ذكر ابن تيمية - رحمه الله - سبب الاختلاف في تكفير من وقع في الكفر الأكبر ممن قال بخلق القرآن ، فقال في [مجموع الفتاوى: 12/487] :
[-- وَسَبَبُ هَذَا التَّنَازُعِ تَعَارُضُ الْأَدِلَّةِ ، فَإِنَّهُمْ يَرَوْنَ أَدِلَّةً تُوجِبُ إلْحَاقَ أَحْكَامِ الْكُفْرِ بِهِمْ ، ثُمَّ إنَّهُمْ يَرَوْنَ مِنْ الْأَعْيَانِ الَّذِينَ قَالُوا تِلْكَ الْمَقَالَاتِ مَنْ قَامَ بِهِ مِنْ الْإِيمَانِ مَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ كَافِرًا ، فَيَتَعَارَضُ عِنْدَهُمْ الدَّلِيلَانِ --]
فهل هؤلاء الذين امتنعوا من تكفير المنتسبين إلى الإسلام ممن وقعوا في الشرك الأكبر ، كانوا يرون الشرك إسلامًا ؟ أو كانوا يستحسنونه ؟ أو كانوا لا يرون كفر عابد غير الله ؟
وقد ذكرنا فيما مضى أن مسائل الأعذار الشرعية لا يستقل بها العقل .. فما قد يستنكره العقل قد يقبله الدليل .. فمن أنكر إعذار المشركين المنتسبين إلى الإسلام بالجهل ، لاستنكار عقله له ، فإن من يرون الإعذار عندهم أدلة يتبعونها ويرون أن الله جعلها عذرًا لهم ، حتى لو لم يفهموا العلة من وراء ذلك ، لأنها أحكام شرعية ، والله - عز وجل - هو من يشرّعها .
وقد بيّنا كذلك بطلان المقارنة بين كفّار قريش ، عبدة الأصنام ، وبين المنتسبين إلى الإسلام المدّعين للتوحيد ، فليُراجع .
واستدلوا أيضًا بقول الإمام الملطي: