الصفحة 78 من 95

به دمه وماله وأهله ، كما ظنه من لم يفرّق بين الكفرين ، ولم يتميّز بين الأمرين . ( وذكر ما عقده البخاري في صحيحه من كتاب الإيمان: في كفر دون كفر ، وما قاله العلامة ابن القيم: أن الحكم بغير ما أنزل الله ، وترك الصلاة ، من الكفر العملي . وتحقيقه أن الكفر: كفر عمل ، وكفر جحود وعناد . فكفر الجحود أن يكفر بما علم أن الرسول جاء به من عند الله جحودًا وعنادًا ، فهذا يضاد الإيمان من كل وجه ، وأما كفر العمل فهو نوعان ، نوع يضاد الإيمان ونوع لا يضاده ، ثم نقل عن ابن القيم كلامًا في هذا المعنى ) .

ثم قال السيد المذكور: قلت: ومن هذا - يعني الكفر العملي - من يدعو الأولياء ، ويهتف بهم عند الشدائد ، ويطوف بقبورهم ، ويقبل جدرانها ، وينذر لها بشيء من ماله ، فإنه كفر عملي ، لا اعتقادي ، فإنه مؤمن بالله وبرسوله - صلى الله عليه وسلم - وباليوم الآخر ، لكن زيّن له الشيطان أن هؤلاء عباد الله الصالحين ينفعون ويشفعون ويضرّون ، فاعتقدوا ذلك ، كما اعتقد ذلك أهل الجاهلية في الأصنام ، لكن هؤلاء مثبتون للتوحيد لله ، لا يجعلون الأولياء آلهة ، كما قاله الكفار إنكارًا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، لما دعاهم إلى كلمة التوحيد: أجعل الآلهة إلهًا واحدًا ؟ .. فهؤلاء جعلوا لله شركاء حقيقة ، فقالوا في التلبية: لبيك لا شريك لك إلا شريكًا هو لك ، تملكه وما ملك .

فأثبتوا للأصنام شركة مع رب الأنام ، وإن كانت عباراتهم الضالة قد أفادت أنه لا شريك له ، لأنه إذا كان يملكه وما ملك ، فليس شريك له تعالى ، بل مملوك .

فعبّاد الأصنام الذين جعلوا لله أندادًا واتخذوا من دونه شركاء ، وتارة يقولون شفعاء يقربونهم إلى الله زلفى ، بخلاف جهلة المسلمين الذين اعتقدوا في أوليائهم النفع والضر ، فإنهم مقرون لله بالوحدانية ، وإفراده بالإلهية ، وصدّقوا رسله ، فالذي أتوه من تعظيم الأولياء كفر عمل لا اعتقاد ، فالواجب وعظهم ، وتعريفهم لجهلهم ، وزجرهم ولو بالتعزير ، كما أمرنا بحد الزاني والشارب والسارق من أهل الكفر العملي . . إلى أن قال . . فهذه كلها قبائح محرّمة من أعمال الجاهلية ، فهو من الكفر العملي ، وقد ثبت أن هذه الأمة تفعل أمورًا من أمور الجاهلية هي من الكفر العملي ، كحديث: أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن: الفخر في الأحساب ، والطعن في الأنساب ، والاستسقاء بالنجوم ، والنياحة . أخرجه مسلم في صحيحه من حديث أبي مالك الأشعري . فهذه من الكفر العملي لا تخرج به الأمة عن الملة ، بل هم مع إيتانهم بهذه الخصلة الجاهلية ، أضافهم إلى نفسه ، فقال: في أمتي .

فإن قلت: أهل الجاهلية تقول في أصنامها أنهم يقربونهم إلى الله زلفى كما يقوله القبوريون ويقولون: هؤلاء شفعاؤنا عند الله ، كما يقول القبوريون .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت