أريد أن أتحدث معكم حديثًا يلامس القلوب، ولا شك أن أعظم ما يمكن أن يتحدث عنه الناس هو كتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم-، ولكن المقصود ألا نتحدث عن أمور لربما قال السامع لقد سمعناها مرارًا، المقصود من هذا المجلس هو التذكير وليس التعميم.
فأقول: الصحبة لقاح، هذا الصاحب لربما أفسد عليك حجك، لربما كان كثير اللغو واللمز والسخرية بعباد الله -عز وجل-، والثرثرة في غير حاجة، لربما كان مجادلًا فأوقعك في الجدل، ولربما كان من أصحاب الرفث فتكلم عندك بما لا يليق من الفحش من القول، فدنس حجك، وأبطل أجرك، ولربما رجعت بخفي حنين ليس لك من حجك إلا العناء والسفر والتعب، فاختر رفيقًا طيبًا صالحًا، يعينك على طاعة الله -عز وجل-، ولا يثبطك عنه، الأصحاب الذين ينبغي أن يسافر الإنسان معهم، ينبغي أن يتحلوا بخصال الإسلام، أن يتحلوا بالخصال الطيبة الكريمة.
السفر قطعة من العذاب، فإذا اجتمع معه عذاب آخر، فذاك عذاب مضاعف، تجدون في تراجم كثير من السلف يذكرون في ترجمته أنه كان قليل المخالفة في السفر، ما معنى هذا الكلام؟ السفر قطعة من العذاب يسفر عن أخلاق الرجال، ولربما توارت تلك الابتسامات والمجاملات، إذا وجد مس الجوع والعطش أو الحر أو أضناه التعب بعد المسير بساعات يجامله فتظهر أخلاقه على حقيقتها، وتتكشف نفسه عن أخلاق أشبه ما تكون بأخلاق السباع، فهو يهارش ويجادل ويصخب، وينازع على أتفه الأشياء، يكدر عليك صفوك، ويشتت فكرك، ويشغل قلبك، ولربما شاحنك على أمور تافهة، يغضب من أجل الطعام، وإذا أردت المسير في وقت جادلك فيه، وإذا أردت الإقامة في محل جادلك فيه، وإذا أردت أن تسلك طريقًا أكثر من عتابك ولومك، وإذا رأى عيبًا لم يستره فما الحاجة إلى هذه الصحبة والرفقة؟! وأنت تقصد عملًا ترجو به مطلوبًا عظيمًا وهو رضا الله -تبارك وتعالى-، وأن تحط عنك الأوزار والذنوب، وهذه الصحبة لا تؤهلك لهذا المطلوب إطلاقًا.