فلم يجعل الله سبيلًا للخروج من هذه الخسارة إلا بالإيمان والعمل الصالح، وبهما يكمل الإنسان نفسه، ثم التواصي بالحق، وهو ما أحقه الله أي: أثبته مما به صلاحُ الدِّين أو صلاحُ الدنيا المعينُ على صلاحِ الدِّين. ثم التواصي بالصبر، الصبرِ على طاعة الله، وعن معصية الله، وعلى أقدار الله المؤلمة، وما أعطي أحدٌ خيرًا وأوسع من الصبر.
ولقد كان من هدي النبي أن يوصي أصحابه، وهم خير الناس بعد الأنبياء وأقرب الأجيال إلى تقوى الله رب الأرض والسماء، كان يوصيهم وصايا عامة ووصايا خاصةً فرديةً.
فعن عبد الله بن بسر رضي الله عنه قال: أتى النبيَّ رجلٌ فقال: يا رسول الله، إنَّ شرائعَ الإسلام قد كثرت علينا، فبابٌ نتمسك به جامع؟ قال: (( لا يزال لسانك رطبًا من ذكر الله عز وجلَّ ) )رواه الإمام أحمد بهذا اللفظ. وأوصى أحد الصحابة يومًا فقال له: (( لا تغضب ) )، فردد مرارًا فقال: (( لا تغضب ) )رواه البخاري.
فحاجتنا ـ عباد الله ـ إلى التواصي أشد حاجة، ونحن في زمنٍ نسي فيه كثيرٌ من الناس حظًا مما ذكِّروا به ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها، فقست قلوبٌ، وجفت من أزمنة دموعٌ، ولا تكاد ترى فيمن ترى مخبتًا أو صاحبَ خشوعٍ.
فواجب علينا التناصح بيننا، فلينصح الأب ابنه، والجارُ جاره، والمدير والمسؤول من تحت يده، فكلكم راع، وكلُّكم مسؤول عن رعيته.
وثق ـ أيها الناصح ـ أنه متى كان قصدك إرضاء الخالق ونفع المخلوق فلا بدَّ أن ينفع الله بنصحك نفعًا تشاهده في الدنيا، أو نفعًا يدَّخر لك في الأخرى.