فهرس الكتاب
ويظهر فقه الشيخ محمد بن عبد الوهاب لنفوس المخاطبين والمدعوين، ويدرك ما قد يعتري النفس البشرية - أحيانًا - من استعلاء واستكبار عن قبول حق جاء من شخص لا تميل إليه تلك النفس، فيخاطب تلك النفوس ويوجهها على التضرع إلى الله وسؤاله الهداية فيما اختلف فيه من الحق، ومرة يخاطبها بالرجوع إلى كتب أهل العلم دون الرجوع إليه، ومرة ثالثة يرشدها إلى تدبر آيات القرآن الكريم [1] .
وقد وفق الله الشيخ محمد بن عبد الوهاب لاستعمال الحكمة في دعوته، فنجده مراعيًا أحوال الناس ومنازلهم، ومدى قربهم من الحق أو بعدهم، ومن ثم يتنوع أسلوبه في الدعوة حسب حال المدعو ومكانته [2] .
ومن المشاهد العملية في دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ما حكاه تلميذه الشيخ عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب قائلًا:"وكان شيخنا محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى في ابتداء دعوته إذا سمعهم يدعون زيد بن الخطاب رضي الله عنه قال: الله خير من زيد، تمرينًا لهم على نفي الشرك بلين الكلام، نظرًا إلى"
المصلحة وعدم النفرة" [3] ."
ب - وكتب الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ رسالة إلى الشيخ عبد الرحمن الألوسي [4] ، يحثه فيها على الدعوة إلى دين الله تعالى، وأن يكون له جماعة يقومون مقامه ..
فكان مما قاله الشيخ عبد اللطيف - رحمه الله -"وكتابك الكريم وصل إلينا، وحسن موقعه لدينا، لما بلغنا عنك من إظهار الإسلام والسنة، وعيب أهل الشرك والبدعة، وطعنك على الدعاة إلى الضلال، وعيبهم بما يبدونه من سوء العمل وشنيع المقال، وإن الله قمعهم بك، وقواك عليهم فأذلهم وأهانهم، فأبشر بثواب ذلك، واعتد به من أفضل أعمالك وحسناتك .."
واحرص أن يكن لك في ذلك جماعة وتلامذة يقومون مقامك إن حدث بك حدث، فيكونوا أئمة بعدك، ويجري لك مثل أجورهم إلى يوم القيامة كما صح به الخبر، فاعمل على بصيرة، وسر إلى الله بصلاح القصد والسريرة .." [5] ."
-وبعث الشيخ عبد اللطيف - أيضًا - رسالة إلى الشيخ حمد بن
عبد العزيز [6] ، يذكره بفضل الدعوة إلى الله تعالى، ويؤكد عليه القيام بأعبائها:
"من عبد اللطيف بن عبد الرحمن إلى الأخ المحب حمد بن عبد العزيز سلمه الله تعالى وتولاه."
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وموجب الخط إبلاغ السلام والتحية، والسؤال عن أخلاقك المحمية سلك الله بها منهج الطريقة المحمدية، ولا يخفاك حال أهل الزمان، وغربة الإسلام، وندرة الإيمان بينهم، وقد ابتلوا بما رأيت من الفتن والمحن، والتقاطع والتدابر والبغضاء، وصاروا أشتاتًا بعد أن كانوا مجتمعين، وشيعًا بعد ما كانوا عليه من الإسلام متعصبين، ونسي العلم والتوحيد، وأقفرت الديار من الناصح الرشيد، وهدم الإسلام وخلت الديار من ذوي العلم الأفهام، ولا شيء أقرب إلى الله وسيلة، وأرجى من الخيرات فضيلة من الدعوة إلى سبيله وإرشاده عبيدهم وردهم إلى الله، وتعلم دينه وتوحيده.
وقد أهلك الله وله الحمد والمنة لذلك، ووضع لك القبول فيما هنالك
وقد أجمع أهل الرأي والمشورة على إلزامك بالدعوة إلى الله والتذكير بدينه وتنبيه عبيده على أصل دينهم، وما يجب فيه، وعلى ما يضاده وينافيه من المكفرات والشركيات، وتعطيل الشرائع والنبوات
فاغتنم أخي ذلك المشهد، وسارع إليه فإن الجزاء خطير والثواب كبير وشهير.
وهذا خط الإمام عبد الرحمن [7] واصلك فلا تجاوب بلا ولن فإنها داعية الهم والحزن، ولولا أني أخشى على النفس من كثير من أهل نجد لتجشمت القيام بذلك [8] ، ولوجدتني حول المياه
(1) انظر الدرر السنية 1/ 36، 52 - 53، 59.
(2) انظر مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب 5/ 134، 141، 233، 300، 315.
(3) مجموعة التوحيد ص339
(4) لعله الشيخ عبد الرحمن الألوسي شقيق أبي الثناء السيد محمود شهاب الدين صاحب"روح المعاني"، وكان الشيخ عبد الرحمن قد اشتغل بالوعظ والتدريس في بغداد، وهو ذو خلق حسن، وكلمة مسموعة، توفي سنة 1284هـ. انظر: المسك الأذفر ص85 - 91، وأعلام العراق ص12 - 14.
(5) الدرر السنية 11/ 76.
(6) لعله الشيخ حمد بن عبد العزيز العوسجي، ولد في ثادق بنجد عام 1245هـ، وتتلمذ على يد كبار علماء نجد، ومنهم الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن، جلس للتدريس وتولى القضاء، وتوفي في عام 1330هـ، انظر: علماء نجد 1/ 227، والدرر السنية12/ 82.
(7) يعني الإمام عبد الرحمن بن فيصل بن تركي آل سعود
(8) يبدو أن ذه الرسالة كانت في أواخر حياة الشيخ عبد اللطيف، فالشيخ قد توفي سنة 1293هـ، بينما تولى الإمام عبد الرحمن الحكم سنة 1291هـ، وكانت نجد تعيش- في تلك الحقبة- ألوانًا من النزاعات السياسية والحروب الطاحنة بين أبناء فيصل بن تركي، وكان للشيخ عبد اللطيف دور ظاهر في الإصلاح ودرء الفتنة وحفظ الدماء- كما سيأتي إن شاء الله تعالى-.