الصفحة 35 من 66

وكان لي ابن [1] يتشبث بالعلم ويحب الطلب فجعل يتوق إلى اللحوق بكم والتخرج عليكم والالتقاط من جواهركم.

فبينما نحن كذلك إذ وصل إلينا التفسير بكماله [2] ، فرأينا أمرًا عجيبًا ما كنا نظن أن الزمان سمح بمثله وما قرب منه، لما في التفاسير التي تصل إلينا من التحريف والخروج عن طريق الاستقامة، وحمل كلام الله على غير مراد الله، وركوب التفاسير في حمله على المذاهب الباطلة، وجعلت السنة كذلك.

فلما نظرنا في ذلك التفسير تبين لنا حسن قصد منشيه وسلامة عقيدته وتبعده عن تعمد مذهب غير مذهب ما عليه السلف الكرام، فعلمنا أن ذلك من قبيل قوله (( وعلمناه من لدنا علمًا ) ) [الكهف، آية:65] فالحمد لله رب العالمين، حمدًا كثيرًا طيبًا كما يحب ربنا ويرضى، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم.

فزاد اشتياق التائق وتضاعفت رغبته. ولكن العوائق كثيرة والمثبطات مضاعفة والله على كل شيء قدير، فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وإن شاءه الناس، فمن العوائق تباعد الديار وطول المسافات؛ فإن مقرنًا في فلج اليمامة. ومنها خطر الطريق وتسلط الحرامية في نهب الأموال واستباحة الدماء وإخافة السبيل، ومنها ما في الطريق من أهل البدع والضلال بل وأهل الشرك من رافضي وجهمي إلى معتزلي ونحوهم وكلهم أعداء قاتلهم الله، ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيىء لنا من أمرنا رشدًا، ومع ذلك فنحن نرجو من الله أن يبعث لهذا الدين من ينصره، وأن يجعلنا من أهله وأن يسهل الطريق، ويرفع الموانع، ونسأله أن يمن بذلك فهو القادر عليه.

ولما رأينا ما من الله به عليكم من التحقيق وسعة الاطلاع وعرفنا تمكنكم من الآلات. وكانت نونية ابن القيم المسماة الكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية بين أيدينا ولنا بها عناية، ولكن أفهامنا قاصرة وبضاعتنا مزجاة من أبواب العلم جملة، وفيها مواضع محتاجة إلى البيان ولم يبلغنا أن أحدًا تصدى لشرحها غلب على الظن أنك تقدر على ذلك، فافعل ذلك يكن من مكاسب الأجور وهي واصلة إليك أن شاء الله؛ فاجعل قراها شرحها وبيان معناها، وأصلح النية في ذلك تكن حربًا لجميع أهل البدع فإنها لم تبق طائفة منهم إلا ردت عليها. فهذان مقصدان من بعثها إليك، أحدهما شرحها والثاني الاستعانة بها في الرد على أهل البدع لأن مثلك يحتاج إلى ذلك لكونه في زمان الغربة وبلاد الغربة. فإن كنت حريصًا على ذلك فعليك بكتاب العقل والنقل، والتسعينية لشيخ

(1) هو الشيخ سعد بن حمد بن عتيق، وقد سافر إلى الهند، وقرأ على مجموعة من العلماء، منهم محمد صديق. انظر: علماء نجد 1/ 266.

(2) وهو فتح البيان في مقاصد القرآن.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت