فهرس الكتاب
وبعض المصنفين يذكر ما عليه السلف وما عليه المتكلمون ويختاره ويقرره، فلما اعتبرنا هذا التفسير وجدناك وافقتهم في ذكر المذهبين وخالفتهم في اختيار ما عليه السلف وتقريره، وليتك اقتصرت على ذلك ولم تكبر هذا الكتاب بمذهب أهل البدع فإنه لا خير في أكثره، وما فيه من شيء صحيح فقد وجد في كلام السلف وأئمة السنة ما يغني عنه بعبارات تنشرح لها الصدور.
وقد يكون لكم من القصد نظير ما بلغني عن الشوكاني - رحمه الله - لما قيل له: لأي شيء تذكر كلام الزيدية في هذا الشرح؟ قال ما معناه: لأمن الإعراض عن الكتاب، ورجوت أن ذكر ذلك أدعى إلى قبوله وتلقيه. وقد قيض الله لكتب أهل السنة المحضة من يتلقاها ويعتني بها ويظهرها مع ما فيها من الرد على أهل البدع وعيبهم وتكفير بعض دعاتهم وغلاتهم؛ فإن الله قد ضمن لهذا الدين أن يظهره على الدين كله.
والمقصود أن في هذا التفسير مواضع تحتاج إلى تحقيق ولنذكر لك بعض ذلك:
فمنه أني نظرت في الكلام على آية الاستواء فأريتك قد أطلت الكلام في بعض المواضع بذكر كلام المبتدعة النفاة كما تقدم.
ومنه أن في الكلام تعارضًا، كقولكم في آية (يونس) :"وظاهر الآية على أنه سبحانه إنما استوى على العرش بعد خلق السموات والأرض لأن كلمة (ثم) للتراخي"، ثم قلتم في سورة الرعد:"و (ثم) هنا لمجرد العطف لا للترتيب لأن الاستواء عليه غير مرتب على رفع السموات"، وكذلك قلتم في سورة السجدة:"وليست (ثم) للترتيب بل بمعنى (الواو) "فلينظر في هذا من وجهين: أحدهما أن ظاهره التعارض، والثاني أن يقول بأن (ثم) لمجرد العطف لا للترتيب في هذه الآيات إنما يقوله من فسر الاستواء بالقهر والغلبة، وعدم الترتيب ظاهر على قولهم. وأما السلف وأئمة السنة وأهل التحقيق فقد جعلوا اطراد الآيات في جميع المواضع دليلًا على ثبوت الترتيب وردوا به على نفاة الاستواء وأبطلوا به تأويلاتهم كما هو معروف ومقرر في كلام شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره؛ فانظر من أين دخلت عليك هذه العبارات، وقد رأيت للرازي عبارة في التفسير تفهم ذلك، فلعلك بنيت على قوله.
وهذا الرجل وإن كان يلقب بالفخر فله كلام في العقائد قد زل فيه زلات عظيمة، وآخر أمره الحيرة نرجو أنه تاب من ذلك ومات على السنة فلا تغتر بأمثال هؤلاء. قال شيخ الإسلام - رحمه الله - في"المحصل": وسائر كتب الكلام المختلف أهلها مثل كتب الرازي وأمثاله وكتب المعتزلة والشيعة والفلاسفة ونحو هؤلاء لا يوجد فيها ما بعث الله به رسوله في أصول الدين، بل وجد حق ملبوس بباطل""
انتهى من"منهاج السنة"، وقد قال بعض العلماء في"المحصل":