فهرس الكتاب
وهذا هو التأويل المعروف عن بعض أهل البدع يردون هذه الصفات إلى الإرادة فرارًا مما فهموه حيث قالوا: إن الرحمة رقة القلب لا يصلح نسبتها إلى الله تعالى فقال لهم أهل السنة: هذه رحمة المخلوق ورحمة الرب تليق بجلاله لا يعلم كيف هي إلا هو.
ويلزمهم في الإرادة نظير ما فروا منه في الرحمة فإن الإرادة هي ميل القلب فإما أن نثبت إرادة تليق بالرب تعالى وهو الحق في جميع ... الصفات وإما أن نقابل بالتأويل وهو الباطل والآفة دخلت على النفاة
من جهة أنهم لم يفهموا من صفات الرب إلا ما يليق بالمخلوق فذهبوا ينفون ذلك ويقابلونه بالتأويلات. قال شيخ الإسلام: إنهم شبهوا أولًا فعطلوا آخرًا، وأهل السنة والجماعة أثبتوا لله جميع الصفات على ما يليق بجلاله ونفوا عنه مشابهة المخلوقين فسلموا من التشبيه والتعطيل.
ومن ذلك أنكم أكثرتم في هذا التفسير من حمل بعض الآيات على المجاز وأنواعه وقد علمتم أن تقسيم الكلام إلى حقيقة ومجاز حدث بعد القرون المفضلة ولك يتكلم الرب به ولا رسوله ولا أصحابه ولا التابعون لهم بإحسان، والذي يتكلم به من أهل اللغة يقول في بعض الآيات: وهذا من مجاز اللغة. ومراده أن هذا مما يجوز في اللغة لم يرد به هذا الحادث ولا خطر بباله ولا سيما وقد قالوا: إن المجاز يصح نفيه فكيف يليق حمل الآيات القرآنية على مثل ذلك؟ وقد أتى شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في كتاب الإيمان الكبير بما كفى وشفى وذكر الآيات التي استدلوا بها وبعض الأمثلة التي ذكروها وأجاب عن ذلك بما إذا طالعه المنصف عرف الصواب وقواعده وأن المجاز لا يدخل في النصوص ولا يهولنك إطباق المتأخرين عليه فإنهم قد أطبقوا على ما هو شر منه والعاقل يعرف الرجال بالحق ولا الحق بالرجال. ومن عرف غربة الإٍسلام والسنة لم يغتر بأقوال الناس وإن كثرت والله تعالى قال: {وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله} الآية ومن أبلغ الناس بحثًا في المعاني الزمخشري، وله في تفسيره مواضع حسنة ولكنه معروف بالاعتزال ونفي الصفات والتكلف في التأويلات والحكم على الله بالشريعة الباطلة مع ما هو عليه من سبه السلف وذمهم والتنقص لهم وفي تفسيره عقارب لا يعرفها إلا الخواص من أهل السنة وقد قال فيه بعض العلماء:
ولكنه فيه مجال لقائل ... وزلات سوء قد أخذن المخانقا
ويسهب في المعنى الوجيز إشارة ... بتكثير ألفاظ تسمى الشقاشقا
يقول فيها الله ما ليس قائلًا ... وكان مجمًا في الخطابة وامقًا
وشتم أعلام الأئمة ضلة ... ولا سيما إن أولجوه المضايقا
لئن لم تداركه من الله رحمة ... لسوف يرى للكافرين مرافقًا