فهرس الكتاب

الصفحة 128 من 311

فبالشريعة الوصال للمنا ... كالفوز بالبقاء من بعد الفنا

ومن يظن الخير في سواها ... فإنه والله ما دراها

قلت وقد رأيت كثيرًا من الفقراء قصروا من الشريعة فخرجوا من الطريقة وسلبوا نورًا الحقيقة ورأيت آخرين طال أمدهم في صحبة القوم ولم يظهر عليهم بهجة المحبين ولا سيما العارفين وما ذلك إلا لعدم التحفظ على مراسم الشريعة وكان شيخنا اليزيدي رضي الله عنه يقول كل من ترك الشريعة من غير جذب ولا عذر سلكوط كبير اه قلت والله ما رأينا الخير إلا فيها وما ربحنا إلا منها فالله يرزقنا الأدب معها إلى يوم الفصل والقضاء آمين ثم ذكر ثمرة الورد ونتيجته وهو المدد الألهي إذ بقدر الأستعداد تحصل الأمداد ولا أستعداد لها إلا بدوام الأوراد وتفرغ الفؤاد فقال ورود الأمداد بحسب الأستعداد قلت المراد بالأمداد أنوار التوجه للسائرين وأنوار المواجهة للواصلين فهي تتوالى على قلوب العباد بحسب التأهب والأستعداد فبقدر المجاهدة تكون المشاهدة وبقدر التخلية تكون التحلية وفائدة هذه الأمداد تطهير القلوب من الأغيار وتقديس الأسرار من غبش الحس والأكدار والوقوف مع الأنوار فلا تزال أمطار المدد تنزل على أرض النفوس الطيبة والقلوب المطهرة والأرواح المنورة والأسرار المقدسة حتى تمتلأ بأنوار المعاني فح تنشق لها أسرار الذات وتتعلق لها أنوار الصفات فتغيب بشهود الذات عن أثر الصفات ثم ترد إلى شهود الصفات بالذت والذات بالصفات لا يحجبها جمعها عن فرقها ولا فرقها عن جمعها تعطي كل ذي حق حقه وتوفي كل ذي قسط قسطه قال شيخ شيخنا مولاي العربي رضي الله عنه في بعض رسائله فإن قلتم أي وقت نكون كالجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب قلنا إذا زهدتم في الدنيا بالكلية وقطعتم الأياس من الرجوع إليها بالكلية ثم أعتقدتم في شيوخكم أنهم كمل وأنهم على قدم الأنبياء عليهم السلام من ورثة النبي صلى الله عليه وسلم فو الله العظيم لينزل عليكم المدد الليل والنهار والشهر والعام وفي كل وقت وساعة ولحظة حتي تمتلئ قلوبكم بمعرفة الله وتطمئن قلوبكم بذكر الله وتكونوا كالجبال الراسية هذا معنى كلامه بإختصار رضي الله عنه وهو كما قال لأن الزاهد في الدنيا تفرغ قلبه وتجلى من الأكدار وتهيأ للأنوار فإذا نزل المدد وجد القلب متسعًا مطهرًا منظفًا فملأه من أنواره وحلاه بحلية أسراره بخلاف ما إذا كان القلب معمورًا بأغيار الدنيا لم يجد المدد موضعًا ينزل فيه فيرجع من حيث جاء وأعتقاد كمال الشيوخ هو عين الصدق وبقدر الصدق ينبغ المدد ولا يمكن أن ينقطع الوهم أو يذهب الحس إلا بالصدق مع الزهد فبالزهد يتهيأ للمدد وبالصدق يفيض عليه المدد فكلما فاض ماء المدد غسل أوساخ الوهم فإذا لم يبق للوهم أثر حصل الغرق في البحر والله تعالى أعلم ثم فسر الأمداد وكيفية الأستعداد فقال شروق الأنوار على حسب صفاء الأسرار قلت شروق أنوار المعارف في أفق سماء القلوب يكون على قدر صحوها من سحب الآثار وغيم الأغيار وغين الأنوار كما قال الشاعر

أن تلاشي الكون عن عين قلبي ... شاهد السر غيبه في بيان

فأطرح الكون عن عيانك وأمح ... نقطة الغبن أن أردت تراني

فبقدر صفائها ومحوها يكون تمام أشراق نورها فإذا انجلى عن سماء القلوب سحب الآثار وغيم الأغيار أشرق فيها نور الفنا فيغيب القلب والروح عن الرسوم ولم يبق إلا الحي القيوم وإذا أنجلت عن الأسرار غين الأنوار أشرق فيها نور البقاء فيفنى من لم يكن ويبقى من لم يزل ولصاحب العينية رضي الله عنه

فنيت بها عيني فما لي أنية ... هوية ليلى للأنية قاطع

وكنت كما أن لم أكن وهو أنه ... كما لم يزل فردًا وللكل جامع

فشمسي في أفق الألوهة مشرق ... وبدري في شرق الربوبية طالع

فأفنيتها حتى فنت وهي لم تكن ... ولكنني بالوهم كنت أطالع

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت