فهرس الكتاب
وأستعن على هذا الأمر بأدعيته عليه السلام في هذا المقام كقوله اللهم أني أصبحت لا أملك لنفسي ضرًا ولا نفعًا ولا موتًا ولا حياة ولا نشورًا ولا أستطيع أن آخذ إلا ما أعطيتني ولا أن أتقي إلا ما وقيتني فوفقني اللهم لما ترضاه مني من القول والفعل وفي عافية وسترانك على كل شيء قير وكقوله أيضًا عليه السلام اللهم إني أصبحت لا أستطيع دفع ما أكره ولا أملك نفع ما أرجو وأصبح الأمر بيد غيري وأصبحت مرتهنا بعملي فلا فقير أفقر مني اللهم لا تشمت بي عدوي ولا تسيء بي صديقي ولا تجعل مصيبتي في ديني ولا تجعل الدنيا أكبر همي ولا مبلغ علمي ولا تسلط على من لا يرحمني إلى غير ذلك من الأدعية التي تكسب الرضى والتسليم والمقصود من دعائه عليه السلام فهم معانيها لا مجرد ألفاظها فالمراد المعاني لا الأواني والله تعالى أعلم ويجمع هذه المعاني وصية شيخ طريقتنا القطب ابن مشيش للرجل الذي قال له وظف على وظائف وأوراد فغضب وقال له أرسول أنا فأوجب الواجبات الفرائض معلومة والمعاصي مشهورة فكن للفرائض حافظًا وللمعاصي رافضًا وأحفظ قلبك من أرادة الدنيا وحب النساء ومن الجاه وأيثار الشهوات وأقنع في ذلك كله بما قسم الله لك إذا خرج لك مخرج الرضى وهو جماله تعالى فكن لله فيه شاكرًا وإذا خرج لك مخرج السخط وهو جلاله فكن عليه صابرًا وحب الله قطب تدور عليه الخيرات واصل جامع لجميع الكرامات وحصن ذلك كله أربعة صدق الورع وحسن النية وأخلاص العمل ومحبة العلم ولا يتم ذلك إلا بصحبة أخ صالح أو شيخ ناصح اه وقال الشيخ أبو الحسن رضي الله عنه أحرص أن تصبح وتمسي مفوضًا مستسلمًا لعله ينظر إليك فيرحمك اه وقال بعضهم من أهتدى إلى الحق لم يهتد إلى نفسه ومن أهتدى إلى نفسه لم يهتد إلى الله أي من رأى الحق غاب عن نفسه ومن رأى نفسه حجب عن الله ثم أن العاقل الذي ينظر ما يفعل الله هو العارف كما تقدم لأنه هو الذي يتحقق فيه ذلك ومن علامته أنه لا يستوحش من شيء لمعرفته في كل شيء وفهمه عن الله في كل شيء بخلاف غيره من العباد والزهاد وهو الذي أشار إليه بقوله إنما أستوحش العباد والزهاد من كل شيء لغيبتهم عن الله في كل شيء فلو شهدوه في كل شيء ما أستوحشوا من شيء قلت العباد هم الذين غلب عليهم الفعل فهم مستغرقون في العبادة الحسية يقومون الليل ويصومون النهار شغلهم حلاوة العبادة عن حلاوة شهود المعبود فحجبوا بعبادتهم عن معبودهم والزهاد هم الذين غلب عليهم الترك فهم يفرون من الدنيا وأهلها ذاقوا حلاوة الزهد فوقفوا معه وحجبوا عن الله فهم يستوحشون من الأشياء لغيبتهم عن الله فيها ولو عرفوا الله في كل شيء ما أستوحشوا من شيء ولأنسوا بكل شيء وتأدبوا مع كل شيء والعارفون لنفوذ بصيرتهم شهدوا الخلق مظاهر من مظاهر الحق فحجبوا أولًا بالحق عن الخلق وبالمعنى عن الحس وبالقدرة عن الحكمة ثم ردوا إلى شهود الحق في الخلق والقدرة في الحكمة فحين عرفوه في كل شيء أنسوا بكل شيء وتأدبوا مع كل شيء وعظموا كل شيء وفي هذا المقام قال المجذوب رضي الله عنه
الخلق نوار وأنا رعيت فيهم ... هم الحجب الأكبر والمدخل فيهم
وقال سيدي علي رضي الله عنه على قول الشيخ أبي الحسن الشاذلي في شأن الخلق أراهم كالهباء في الهواء أن فتشتهم لم تجدهم شيئًا قال بل أن فتشتهم وجدتهم شيئًا وذلك الشيء ليس كمثله شيء يعني وجدتهم مظاهر من مظاهر الحق أنوارًا من أنوار الملكوت فائضة من بحر الجبروت كما قال صاحب العينية رضي الله عنه
تجليت في الأشياء حين خلقتها ... فها هي ميطت عنك فيها البراقع
قطعت الورى من ذات نفسك قطعة ... ولم يك موصول ولا فصل قاطع
وقال شيخ شيوخنا المجذوب رضي الله عنه
طلع النهار على قلبي حتى نظرت بعينيا ... أنت دليلي يا ربي أنت أولى مني بيا