فهرس الكتاب

الصفحة 131 من 311

والحاصل أن العارفين بالله غابوا عن شهود الخلق بشهود الحق فهم مع الخلق بالأشباح ومع الحق بالأرواح ماتوا وبعثوا وقامت قيامتهم وتبدلت في حقهم الأرض غير الأرض والسموات وبرزوا لله الواحد القهار فهم يرون الأنوار والناس في ظلمة الأغيار كشف لهم في هذه الدار عن أسرار مكنوناته مسدولة عليها قهارية أستاره وسيكشف لهم في تلك الدار عن أسرار ذاته من غير حجاب الحكمة التي هي أثر صفاته كما أشار إلى ذلك بقوله أمرك في هذه الدار بالنظر في مكوناته وسيكشف لك في تلك الدار عن كمال ذاته قلت إنما أمرك في هذه الدار أن تنظر إليه بواسطة مكوناته لأنك لا تقدر هنا أن تنظر إلى حقيقة ذاته المقدسة في عظمة الجبروت الأصلي بلا واسطة لضعف نشأتك وأن كان ذلك جائزًا عقلًا ولذلك طلبه سيدنا موسى عليه السلام لكن حكمة الحكيم أقتضت تغطية أسرار الربوبية بأنوار سبحات الألوهية إذ لا بد للحسناء من تقارب وللشمس من سحاب ولو ظهر من غير رداء الكبرياء لوقع الأدراك ولم يبق حينئذ ترقي فالترقي في أسرار الذات إنما هو بالنظر إلى أنوار الصفات وهو لا ينقطع أبدًا في الدراين فلا تنال الذات من غير مظهر أصلًا فالمعنى لا تقبض إلا بالحس هذا مذهب أهل التحقيق من أهل المعاني فإن قلت كيف فرق الشيخ بين الرؤيتين بأعتبار الدارين والتحقيق أنها رؤية واحدة لأن المظهر متحد فالجواب أنه لما كان مظهر هذه الدار الحس فيه غالب على المعني والحكمة ظاهرة والقدرة باطنة ومظهر الدار الآخرة بالعكس المعنى فيه غالب على الحس والقدرة ظاهرة أنكشف ثم عن حقيقة الذات أكثر مما أنكشف هنا فبهذا المعنى وقع التفريق بين الرؤيتين ومثله قول الشيخ أبو الحسن رضي الله عنه في حزبه الكبير عز الدنيا بالأيمان والمعرفة وعز الآخرة باللقاء والمشاهدة اه هذا بإعتبار الخواص وأما العوام فلا يرون إلا الحس في هذه الدار وفي تلك الدار وأما الرؤية التي تحصل لهم يوم المزيد فيحتمل أن يظهر لهم نورًا من أنوار قدسه ويلهمهم المعرفة فيه وهو ظاهر الحديث أو يفنيهم عن حسهم في ذلك لوقت حتى يشدوا معاني الذات ويتلذذوا برؤيتها ثم يردهم إلى حسهم والحاصل أن تجلي الذات على قسمين قسم يكون بوسائط كثيفة ظاهرها ظلمة وباطنها نور ظاهرها حكمة وباطنها قدرة ظاهرها حس وباطنها معنى وهو تجلي هذه الدار وقسم يكون بوسائط لطيفة نورانية ظاهرها نور وباطنها نور ظاهرها قدرة وباطنها حكمة ظاهرها معنى وباطنها حس وهو تجلي دار الآخرة فالعارفون لما حصل لهم الشهود والمعرفة في هذه الدار وفي تلك الدار لا يحجبهم عن الله حور ولا قصور بل دائمًا في النظرة والسرور والنضرة والحبور وذلك أنهم لما عرفهم به هنا لم يحجبهم هنالك يكوت المرء على ما عاش عليه ويبعث على مامات عليه بخلاف العامة فأنهم لما حجبهم هنا بشهود أنفسهم أنحجبوا هنالك عن رؤية معبودهم إلا في وقت مخصوص على وجه نخصوص ولذلك كتب ابن العربي الحاتمي إلى الأمام الرازي فقال له تعال نعرفك بالله اليوم قبل أن تموت فإذا تجلى الله لعباده أنكرته ولم تعرفه وسئل الشيخ أبو محمد عبد القادر الجيلاني رضي الله عنه عن رجل يدعي أنه يرى الله ببصره فأستدعاه فسأله عن ذلك فقال نعم فأنتهره ونهاه عن هذا القول ثم قيل له أمحق هوام مبطل فقال هو محق ملبس عليه وذلك أنه شهد ببصيرته نور الجمال ثم خرق من بصيرته إلى بصره فنفذ فرأى بصره بصيرته وبصيرته يتصل شعاعها بنور شهوده فظن أن بصره رأي ما شاهدته بصيرته وإنما رأى بصره بصيرته فحسب اه والحاصل أنه أنعكس بصره في بصيرته فرآه ببصيرته وظن أنه رآه ببصره ومعني ذلك أن الروح ما دامت محجوبة بالبشرية كان النظر إنما هو للبصر الحسي فلا يرى إلا الحس فإذا أستولت الروحانية على البشرية أنعكس نظر البصر إلى البصيرة فلا يرى البصر إلا المعاني التي كانت تراها البصيرة وهو معنى قول شيخ شيوخنا المجذوب

غيبت نظري في نظر ... وأفنيت عن كل فاتي

حققت ما وجدت غير ... وأمسيت في الحال هاني

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت