فهرس الكتاب
والحاصل أن العارفين بالله غابوا عن شهود الخلق بشهود الحق فهم مع الخلق بالأشباح ومع الحق بالأرواح ماتوا وبعثوا وقامت قيامتهم وتبدلت في حقهم الأرض غير الأرض والسموات وبرزوا لله الواحد القهار فهم يرون الأنوار والناس في ظلمة الأغيار كشف لهم في هذه الدار عن أسرار مكنوناته مسدولة عليها قهارية أستاره وسيكشف لهم في تلك الدار عن أسرار ذاته من غير حجاب الحكمة التي هي أثر صفاته كما أشار إلى ذلك بقوله أمرك في هذه الدار بالنظر في مكوناته وسيكشف لك في تلك الدار عن كمال ذاته قلت إنما أمرك في هذه الدار أن تنظر إليه بواسطة مكوناته لأنك لا تقدر هنا أن تنظر إلى حقيقة ذاته المقدسة في عظمة الجبروت الأصلي بلا واسطة لضعف نشأتك وأن كان ذلك جائزًا عقلًا ولذلك طلبه سيدنا موسى عليه السلام لكن حكمة الحكيم أقتضت تغطية أسرار الربوبية بأنوار سبحات الألوهية إذ لا بد للحسناء من تقارب وللشمس من سحاب ولو ظهر من غير رداء الكبرياء لوقع الأدراك ولم يبق حينئذ ترقي فالترقي في أسرار الذات إنما هو بالنظر إلى أنوار الصفات وهو لا ينقطع أبدًا في الدراين فلا تنال الذات من غير مظهر أصلًا فالمعنى لا تقبض إلا بالحس هذا مذهب أهل التحقيق من أهل المعاني فإن قلت كيف فرق الشيخ بين الرؤيتين بأعتبار الدارين والتحقيق أنها رؤية واحدة لأن المظهر متحد فالجواب أنه لما كان مظهر هذه الدار الحس فيه غالب على المعني والحكمة ظاهرة والقدرة باطنة ومظهر الدار الآخرة بالعكس المعنى فيه غالب على الحس والقدرة ظاهرة أنكشف ثم عن حقيقة الذات أكثر مما أنكشف هنا فبهذا المعنى وقع التفريق بين الرؤيتين ومثله قول الشيخ أبو الحسن رضي الله عنه في حزبه الكبير عز الدنيا بالأيمان والمعرفة وعز الآخرة باللقاء والمشاهدة اه هذا بإعتبار الخواص وأما العوام فلا يرون إلا الحس في هذه الدار وفي تلك الدار وأما الرؤية التي تحصل لهم يوم المزيد فيحتمل أن يظهر لهم نورًا من أنوار قدسه ويلهمهم المعرفة فيه وهو ظاهر الحديث أو يفنيهم عن حسهم في ذلك لوقت حتى يشدوا معاني الذات ويتلذذوا برؤيتها ثم يردهم إلى حسهم والحاصل أن تجلي الذات على قسمين قسم يكون بوسائط كثيفة ظاهرها ظلمة وباطنها نور ظاهرها حكمة وباطنها قدرة ظاهرها حس وباطنها معنى وهو تجلي هذه الدار وقسم يكون بوسائط لطيفة نورانية ظاهرها نور وباطنها نور ظاهرها قدرة وباطنها حكمة ظاهرها معنى وباطنها حس وهو تجلي دار الآخرة فالعارفون لما حصل لهم الشهود والمعرفة في هذه الدار وفي تلك الدار لا يحجبهم عن الله حور ولا قصور بل دائمًا في النظرة والسرور والنضرة والحبور وذلك أنهم لما عرفهم به هنا لم يحجبهم هنالك يكوت المرء على ما عاش عليه ويبعث على مامات عليه بخلاف العامة فأنهم لما حجبهم هنا بشهود أنفسهم أنحجبوا هنالك عن رؤية معبودهم إلا في وقت مخصوص على وجه نخصوص ولذلك كتب ابن العربي الحاتمي إلى الأمام الرازي فقال له تعال نعرفك بالله اليوم قبل أن تموت فإذا تجلى الله لعباده أنكرته ولم تعرفه وسئل الشيخ أبو محمد عبد القادر الجيلاني رضي الله عنه عن رجل يدعي أنه يرى الله ببصره فأستدعاه فسأله عن ذلك فقال نعم فأنتهره ونهاه عن هذا القول ثم قيل له أمحق هوام مبطل فقال هو محق ملبس عليه وذلك أنه شهد ببصيرته نور الجمال ثم خرق من بصيرته إلى بصره فنفذ فرأى بصره بصيرته وبصيرته يتصل شعاعها بنور شهوده فظن أن بصره رأي ما شاهدته بصيرته وإنما رأى بصره بصيرته فحسب اه والحاصل أنه أنعكس بصره في بصيرته فرآه ببصيرته وظن أنه رآه ببصره ومعني ذلك أن الروح ما دامت محجوبة بالبشرية كان النظر إنما هو للبصر الحسي فلا يرى إلا الحس فإذا أستولت الروحانية على البشرية أنعكس نظر البصر إلى البصيرة فلا يرى البصر إلا المعاني التي كانت تراها البصيرة وهو معنى قول شيخ شيوخنا المجذوب
غيبت نظري في نظر ... وأفنيت عن كل فاتي
حققت ما وجدت غير ... وأمسيت في الحال هاني