فهرس الكتاب

الصفحة 132 من 311

والله تعالى أعلم وإنما أمرك في هذه الدار أن تنظر إليه في مكوناته تسلية لك عن شهود ذاته والنظر إليه إذ لا صبر للمحب عن محبوبه كما أبان ذلك بقوله لما علم إنك لا تصبر عنه أشهدك ما برز منه قلت لما فصل الحق سبحانه هذه الروح التي هي لطيفة نورانية من أصلها وتغربت عن وطنها تعشقت إلى أصلها وتعطشت إلى محبة سيدها فلما علم الحق سبحانه أنها لا تصبر عنه ولا تقدر أن تراه على ما هو عليه من كمال جلاله ونور بهاء جماله ما دامت في هذا السجن الذي هو قفص البدن أشهدها الحق تعالى ما برز منه من تجلياته في مظاهر مكوناته وآثار صفاته لكن لا بد للحسناء من نقاب وللشمس من سحاب فبرزت أنوار الجبروت إلى رياض الملكوت فغطتها سحائب الحكمة وآثار القدرة فبقيت الروح تتعشق إلى أصلها من وراء سحاب الأثر فإذا أنقشع السحاب ورفع الحجاب لقي كل حبيب حبيبه وعرف كل أنسان مثواه ومستقره فقنعت الروح بشهود المعاني خلف رقة الأواني وإليه أشار الشيخ الغوث أبو مدين رضي الله عنه بقوله

فلولا معانيكم تراها قلوبنا ... إذا نحن أيقاظ وفي النوم أن غبنا

لمتنا أسى من بعدكم وصبابة ... ولكن في المعني معانيكم معنا

أي فلولا معاني ذاتكم تراها قلوبنا في مظاهر صفاتكم لمتنا عشقًا أو فلولا معاني ربوبيتكم تراها قلوبنا في مظاهر مكوناتكم أو فلولا معاني الجبروت تراها قلوبنا في عالم الملكوت لمتنا أسى أي حزنًا على فراقكم وشوقًا إلى لقائكم وقوله ولكن في المعنى معانيكم معنا أي ولكن معانيكم التي تشاهدها قلوبنا في المعنى معنى عظيم فأستأنسنا بمشاهدتها وأنست أرواحنا بها فلم تمت عشقًا وشوقًا والله تعالى أعلم ومما تستأنس به الروح عن صدمات المحبة أشتغالها بالخدمة كما أشار إلى ذلك بقوله لما علم منك وجود الملل لون لك الطاعات قلت من كرمه تعالى وحسن أختياره لك أيها العبد أنه لما علم أنك لا تقدر أن تصبر عنه أشهدك ما برز منه ولما علم الحق سبحانه أن من عباده من لا يقدر أن يشهده فيما برز منه أشغله بخدمته ولما علم منه أنه ربما يمل من خدمة واحدة لون له طاعته لأن من شأن النفس أن تمل من تكرر الشيء الواحد وفي ذلك يقول الشاعر

لا يصلح النفس إذ كانت مدبرة ... إلا التنقل من حال إلى حال

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت