فهرس الكتاب
والله تعالى أعلم وإنما أمرك في هذه الدار أن تنظر إليه في مكوناته تسلية لك عن شهود ذاته والنظر إليه إذ لا صبر للمحب عن محبوبه كما أبان ذلك بقوله لما علم إنك لا تصبر عنه أشهدك ما برز منه قلت لما فصل الحق سبحانه هذه الروح التي هي لطيفة نورانية من أصلها وتغربت عن وطنها تعشقت إلى أصلها وتعطشت إلى محبة سيدها فلما علم الحق سبحانه أنها لا تصبر عنه ولا تقدر أن تراه على ما هو عليه من كمال جلاله ونور بهاء جماله ما دامت في هذا السجن الذي هو قفص البدن أشهدها الحق تعالى ما برز منه من تجلياته في مظاهر مكوناته وآثار صفاته لكن لا بد للحسناء من نقاب وللشمس من سحاب فبرزت أنوار الجبروت إلى رياض الملكوت فغطتها سحائب الحكمة وآثار القدرة فبقيت الروح تتعشق إلى أصلها من وراء سحاب الأثر فإذا أنقشع السحاب ورفع الحجاب لقي كل حبيب حبيبه وعرف كل أنسان مثواه ومستقره فقنعت الروح بشهود المعاني خلف رقة الأواني وإليه أشار الشيخ الغوث أبو مدين رضي الله عنه بقوله
فلولا معانيكم تراها قلوبنا ... إذا نحن أيقاظ وفي النوم أن غبنا
لمتنا أسى من بعدكم وصبابة ... ولكن في المعني معانيكم معنا
أي فلولا معاني ذاتكم تراها قلوبنا في مظاهر صفاتكم لمتنا عشقًا أو فلولا معاني ربوبيتكم تراها قلوبنا في مظاهر مكوناتكم أو فلولا معاني الجبروت تراها قلوبنا في عالم الملكوت لمتنا أسى أي حزنًا على فراقكم وشوقًا إلى لقائكم وقوله ولكن في المعنى معانيكم معنا أي ولكن معانيكم التي تشاهدها قلوبنا في المعنى معنى عظيم فأستأنسنا بمشاهدتها وأنست أرواحنا بها فلم تمت عشقًا وشوقًا والله تعالى أعلم ومما تستأنس به الروح عن صدمات المحبة أشتغالها بالخدمة كما أشار إلى ذلك بقوله لما علم منك وجود الملل لون لك الطاعات قلت من كرمه تعالى وحسن أختياره لك أيها العبد أنه لما علم أنك لا تقدر أن تصبر عنه أشهدك ما برز منه ولما علم الحق سبحانه أن من عباده من لا يقدر أن يشهده فيما برز منه أشغله بخدمته ولما علم منه أنه ربما يمل من خدمة واحدة لون له طاعته لأن من شأن النفس أن تمل من تكرر الشيء الواحد وفي ذلك يقول الشاعر
لا يصلح النفس إذ كانت مدبرة ... إلا التنقل من حال إلى حال