فهرس الكتاب

الصفحة 135 من 311

مقامها بساط العز ... أحوالها ربانيا

فلما ركبت في هذا القالب الجسماني ردتها القهرية إلى العبودية وجعلتها لها بابًا للوصول إلى حضرة الربوبية فلا يطمع لها في الرجوع إلى أصلها إلا بإنكسارها وذلها ولذلك قال الشيخ عبد القادر الجيلاني رضي الله عنه أتيت الأبواب كلها فوجدت عليها أزدحامًا فأتيت باب الذل والأنكسار فوجدته خاليًا فدخلت منه وقلت هلموا إلى ربكم هكذا أسمعته من أشياخنا فإذا أنكسرت وذلت رجعت لأصلها ووصلت وإذا تعززت وأستكبرت حجبت وطردت وإذا طردت بعدت وكلما بعدت عن الحضرة الربانية أستحكمت فيها الشهوات الجسمانية والأخلاق الشيطانية فأتصفت حينئذ بكل خلق دني وبعدت من كل خلق سني فإذا أراد الله تعالى أن يرحمها بالقرب من جنابه والوقوف ببابه ألهمها الصلاة وحببها إليها حتى إذا تطهرت من الذنوب ومحيت عنها المساوي والعيوب قربت من حضرة الحبيب ومناجاة القريب فقرعت الباب وطلبت رفع الحجاب وهذا معنى قوله وأستفتاح لباب الغيوب وهي النتيجة الثانية من نتائج الصلاة قلت المراد بالغيوب أسرار الملكوت وأسرار الجبروت وإنما كانت الصلاة أستفتاحًا لباب الغيوب لما أشتملت عليه من تطهير الظاهر والباطن قال محمد بن علي الترمذي الحكيم رضي الله عنه دعا الله الموحدين إلى هذه الصلوات الخمس رحمة منه عليهم وهيأ لهم فيها أنواع الضيافة لينال العبد من كل قول وفعل شيئًا من عطاياه فالأفعال كالأطعمة والأقوال كالأشربة وهي عرش الموحدين هيأها رب العالمين لأهل رحمته في كل يوم خمس مرات حتى لا يبقى عليهم دنس من الأغيار اه فإذا تطهر الظاهر بالطهارة الحسية والباطن بالطهارة المعنوية أستحق الدخول إلى الحضرة القدسية فأول ما يتحف به قربه إلى الباب وسماع خطاب الأحباب من وراء حجاب فيتمتع بمناجاة الأحباب ولذيذ الخطاب وهو معنى قوله الصلاة محل المناجاة وهي النتيجة الثالثة قلت المناجاة هي المساررة والمكالمة مع الأحباب فمناجاة العبد ربه بالتلاوة والأذكار ومناجاة الرب لعبده بالتفهم والفتح ورفع الأستار وفي الحديث الصحيح المصلى يناجي ربه وقال أيضًا عليه السلام يقول الله تعالى قسمت الصلاة بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل فإذا قال العبد الحمد لله رب العالمين قال تعالى حمدني عبدي وإذا قال الرحمن الرحيم قال الله تعالى مجدني عبدي فإذا قال مالك يوم الدين قال الله تعالى فوض إلى عبدي فإذا قال إياك نعبد وإياك نستعين قال الله تعالى هذه بيني وبين عبدي فإذا قال أهدنا الصراط المستقيم الآية قال الله هذه لعبدي ولعبدي ما سأل الحديث.

فلا يزال المصلي يناجي ربه ويطلب قربه حتى تتمكن المحبة من القلب والأقبال من الرب فتصفو المحبة من كدر الجفا ويتصل المحب مع حبيبه في محل الصفا وهو معنى قوله ومعدن المصافاة وهي النتيجة الرابعة قلت المعدن هو محل الذهب والفضة أستعير هنا لصفاء القلوب والأرواح لتصفيتها من لوث صلصال الأشباح فالمصافاة خلوص المناجاة من تشويش الحس وكدر الهواجس فهي أرق وأصفى من المناجاة كما قال ابن الفارض رضي الله عنه، ولقد خلوت مع الحبيب وبيننا، سر أرق من النسيم إذا سرا، وهذه مصافاة العبد لربه ومصافاة الرب لعبده بالأقبال عليه حتى لا يدعه لغيره وفي الخبران العبد إذا قام إلى الصلاة رفع الله الحجاب بينه وبينه وواجهه بوجهه وقامت الملائكة من لدن منكبيه إلى الهوى يصلون بصلاته اه فإذا تمت التصفية وعظمت المحبة وكثر العطش وظهر الدهش أستحقت الروح رفع الحجاب وفتح الباب فتدخل إلى حضرة الأحباب ويرتفع بينها وبينهم الحجاب فتخرج من ضيق الأشباح إلى فضاء عالم الأرواح أو من ضيق الملك إلى سعة عالم الملكوت وهو معنى قوله فيها تتسع ميادين الأسرار وهي النتيجة الخامسة قلت الميادين جمع ميدان وهو مجال الخيل أستعير هنا لفضاء عالم الملكوت فإذا تنزهت الروح في عالم الملكوت وجالت بفكرتها في سعة أنوارها أشرقت عليها أنوار سنا الجبروت وهو معنى قوله وتشرق فيها شوارق الأنوار وهي النتيجة السادسة قلت أراد بالأسرار أسرار الذات وهو لأهل الفناء وبالأنوار أنوار الصفات وهو لأهل البقاء والله أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت