فهرس الكتاب

الصفحة 42 من 311

وأما طلبك لغيره أي لمعرفة غيره فلقلة حيائك منه وعدم أنسك به أما وجه قلة حيائك منه فلأنه يناديك إلى الحضرة وأنت تفر منه إلى الغفلة ومثال ذلك كمن كان في حضرة الملك والملك مقبل عليه ثم يجعل هو يريد الخروج منها ويلتفت إلى غيره فهذا يدل على قلة حيائه وعدم أعتنائه بالملك فهو حقيق بأن يطرد إلى الباب أو إلى الباب أو إلى سياسة الدواب وقد قالوا أنكر من تعرف ولا تتعرف لمن لا تعرف وأما وجه عدم أنسك به فلأنك لو أنست به لأستوحشت من خلقه فلا يتصور منك طلب معرفتهم وأنت تفر منهم فإذا آنسك به أوحشك من خلقه وبالعكس والأستئناس بالناس من علامة الأفلاس إقبالك على الحق أدبارك عن الخلق وإقبالك على الخلق إدبارك عن الحق وقد عدوا من أصول الطريق الأعراض عن الخلق في الأقبال والأدبار وأمتا طلبك من غيره فلوجود بعدك عنه إذ لو تحققت بقربه منك وهو كريم ما أحتجت إلى سؤال غيره وهو لئيم وسيأتي في المناجاة أم كيف يطلب من غيرك وأنت ما قطعت عادة الأمتنان وفي بعض الكتب المنزلة يقول الله تبارك وتعالى إذا أنزلت بعبدي حاجة فرفعها إلى أعلم ذلك من نيته لو كادته السموات السبع والأرضون السبع لجعلت من أمره فرجًا ومخرجًا وإذا أنزلت بعبدي حاجة فرفعها إلى غيري أضحت الأرض من تحته وأسقطت السماء من فوقه وقطعت الأسباب فيما بيني وبينه أو كما قال لطول العهد به فتحصل أن الأدب هو الأكتفاء بعلم الله والتحقق بمعرفة الله والأستغناء به عما سواه والله تعالى أعلم ثم ذكر الأدب السادس وهو التسليم والرضى بما يجري به القدر والقضاء فقال ما من نفس تبديه ألا وله قدر فيك يمضيه قلت النفس بفتح الفاء عبارة عن دقيقة من الزمان قدر ما يخرج النفس ويرجع وهو أوسع من الطرفة والطرفة أوسع من اللحظة وهي رمق البصر ورده والقدر هو العلم السابق للأشياء قبل أن تظهر وهو أعلم أوقاتها وأماكنها ومقاديرها وعدد أفرادها وما يعرض لها من الكيفيات وما ينزل بها من الآفات فإذا علمت أيها الأنسان أن أنفاسك قد عمها القدر ولا يصدر منك ولا من غيرك إلا ما سبق به علمه وجرى به قلمه لزمك أن ترضى بكل ما يجري به القضاء فأنفاسك معدودة وطرفاتك ولحظاتك محصورة فإذا أنتهى آخر أنفاسك رحلت إلى آخرتك وإذا كانت الأنفاس معدودة فما بالك بالخطوات والخطوات وغير ذلك من التصرفات ولله در القائل

مشيناها خطى كتبت علينا ... ومن كتبت عليه خطى مشاها

ومن قسمت منيته بأرض ... فليس يموت في أرض سواها

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت