فهرس الكتاب
وأما طلبك لغيره أي لمعرفة غيره فلقلة حيائك منه وعدم أنسك به أما وجه قلة حيائك منه فلأنه يناديك إلى الحضرة وأنت تفر منه إلى الغفلة ومثال ذلك كمن كان في حضرة الملك والملك مقبل عليه ثم يجعل هو يريد الخروج منها ويلتفت إلى غيره فهذا يدل على قلة حيائه وعدم أعتنائه بالملك فهو حقيق بأن يطرد إلى الباب أو إلى الباب أو إلى سياسة الدواب وقد قالوا أنكر من تعرف ولا تتعرف لمن لا تعرف وأما وجه عدم أنسك به فلأنك لو أنست به لأستوحشت من خلقه فلا يتصور منك طلب معرفتهم وأنت تفر منهم فإذا آنسك به أوحشك من خلقه وبالعكس والأستئناس بالناس من علامة الأفلاس إقبالك على الحق أدبارك عن الخلق وإقبالك على الخلق إدبارك عن الحق وقد عدوا من أصول الطريق الأعراض عن الخلق في الأقبال والأدبار وأمتا طلبك من غيره فلوجود بعدك عنه إذ لو تحققت بقربه منك وهو كريم ما أحتجت إلى سؤال غيره وهو لئيم وسيأتي في المناجاة أم كيف يطلب من غيرك وأنت ما قطعت عادة الأمتنان وفي بعض الكتب المنزلة يقول الله تبارك وتعالى إذا أنزلت بعبدي حاجة فرفعها إلى أعلم ذلك من نيته لو كادته السموات السبع والأرضون السبع لجعلت من أمره فرجًا ومخرجًا وإذا أنزلت بعبدي حاجة فرفعها إلى غيري أضحت الأرض من تحته وأسقطت السماء من فوقه وقطعت الأسباب فيما بيني وبينه أو كما قال لطول العهد به فتحصل أن الأدب هو الأكتفاء بعلم الله والتحقق بمعرفة الله والأستغناء به عما سواه والله تعالى أعلم ثم ذكر الأدب السادس وهو التسليم والرضى بما يجري به القدر والقضاء فقال ما من نفس تبديه ألا وله قدر فيك يمضيه قلت النفس بفتح الفاء عبارة عن دقيقة من الزمان قدر ما يخرج النفس ويرجع وهو أوسع من الطرفة والطرفة أوسع من اللحظة وهي رمق البصر ورده والقدر هو العلم السابق للأشياء قبل أن تظهر وهو أعلم أوقاتها وأماكنها ومقاديرها وعدد أفرادها وما يعرض لها من الكيفيات وما ينزل بها من الآفات فإذا علمت أيها الأنسان أن أنفاسك قد عمها القدر ولا يصدر منك ولا من غيرك إلا ما سبق به علمه وجرى به قلمه لزمك أن ترضى بكل ما يجري به القضاء فأنفاسك معدودة وطرفاتك ولحظاتك محصورة فإذا أنتهى آخر أنفاسك رحلت إلى آخرتك وإذا كانت الأنفاس معدودة فما بالك بالخطوات والخطوات وغير ذلك من التصرفات ولله در القائل
مشيناها خطى كتبت علينا ... ومن كتبت عليه خطى مشاها
ومن قسمت منيته بأرض ... فليس يموت في أرض سواها