فهرس الكتاب

الصفحة 43 من 311

وحقيقة الرضى هو تلقي المهالك بوجه ضاحك وحقيقة التسليم أستواء النقمة والنعيم بحيث لا يختار في أيهما يقيم وهذا هو مقام أهل الكمال الذين تحققوا بالزوال نفعنا الله بذكرهم وخرطنا في سلكهم أمين ثم ذكر الأدب السابع وهو دوام المراقبة ومواصلة المشاهدة فقال لا تترقب فراغ الأغيار فإن ذلك يقطعك عن وجود المراقبة له فيما هو مقيمك فيه الترقب هو الأنتظار والأغيار جمع غير بكسر الغين وهو ما يغير القلب عن حاله والغالب أستعماله فيما يغيره من حالة الكمال إلى حالة النقص وعند الصوفية كل ما يشغل عن الحضرة ويغير القلب عنها فهو غير والمراقبة هي العسة على القلب لئلا يخرج من حضرة الرب والمراد بها في كلام الشيخ مطلق العسة فتصدق بمراقبة القلب كما تقدم وتصدق بمراقبة الروح وهي عسها على دوام الشهود وبمراقبة السر وهي عسته على دوام الترقي والأدب قلت إذا أقامك الحق تعالى في حال يغلب فيها وجود الأغيار لغلبة الحس فيها كما إذا أقامك في شغل دنيوي في الظاهر لا محيد لك عنه فجاهد قلبك في العسة عليه في الحضور لئلا تسرقك الغفلة أو جاهد روحك في العسة عليها في دوام الشهود لئلا يسرقك الحس أو جاهد سرك في أستمداد الموهب والعلوم لئلا يحصل ذلك فتور ولا تترقب أي تنتظر فراغ شغل يدك من تلك الأغيار فتؤخر حضور قلبك إلى تمام شغل يدك فيفوتك وجود المراقبة في تلك الحال التي أقامك الحق فيها فيكون في حقك سوء أدب وفيه أيضًا تضييع ذلك الوقت وخلوه من معاملة الحق وصرف الأوقات لا يمكن قضاؤها ولقد بلغني أن شيخ شيخنا مولاي العربي رضي الله عنه كان إذا رأى أصحابه في شغل وخاف عليهم أن يسرقهم الحس نادي عليهم بأعلى صوته أنت أنت تنبيهًا لهم وأيقاظًا من شهود الحس وقد ذكر الشعراني في العهود عن بعض أشياخه أنه كان لا يغيب عن الله ولو في حالة الجماع وهذا شأن أهل الأعتناء من العارفين وهذا هو جمع الجمع والله تعالى أعلم تنبيه ليس هذا تكرارًا مع ما تقدم في قوله أحالتك الأعمال على وجود الفراغ الخ لأن ذلك في عمل الجوارح وهذا في عمل القلوب يدلك على ذلك تعبيره هنا بالمراقبة وتعبيره ثم الأعمال والأفادة خير من الأعادة وبالله التوفيق وإذا حصلت لك المراقبة أو المشاهدة في حال الأغيار فلا تستغرب ما تراه من الأكدار لئلا يحصل لك الأنكار وإلى هذا أشار بقوله لا تستغرب وقوع الأكدار ما دمت في هذه الدار فإنها ما أبرزت إلا ما هو مستحق وصفها وواجب نعتها الأستغراب تصيير الشيء غريبًا حتى يتعجب منه والأكدار كل ما يكدر على النفس ويؤلمها ومستحق وصفها ما تستحق أن توصف به وواجب نعتها ما يجب أن تنعت به قال بعضهم الوصف يكون بالأمور اللازمة والنعت يكون بالعوارض الطارئة فالأمور اللازمة كالبياض والسواد والطول والقصر والعوارض كالمرض والصحة والفرح والحزن وغير ذلك والمراد هنا بالأوصاف ما يتكرر وقوعه كالموت والأمراض وما يقع كثيرًا وبالنعوت ما يقل وقوعه في العادة كالفتن والهرج والزلازل لأنهم يقولون الأوصاف لوازم والنعوت عوارض وقيل شيء واحد وهو الأصح قلت من آداب العارف أن لا يستغرب شيئًا من تجليات الحق ولا يتعجب من شيء منها كائنة ما كانت جلالية أو جمالية فإن نزلت به نوازل قهرية أوة وقعت في هذه الدار أكدار وأغيار جلالية فلا يستغرب وقوع ذلك لأن تجليات هذه الدار جلها جلالية لأنها دار أهوال ومنزل فرقة وأنتقال وفي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال في بعض خطبه أيها الناس إن هذه الدار دار التواء أي هلاك لا دار أستواء ومنزل ترح أي حزن لا منزل فرح فمن عرفها لم يفرح لرخائها ولم يحزن لشقائها إلا وأن الله خلق الدنيا دار بلوى والآخرة دار عقبي فجعل بلوى الدنيا لثواب الآخرة سببًا وثواب الآخرة من بلوى الدنيا عوضًا فيأخذ ليعطي ويبتلي ليجزي وأنها لسريعة التوي وشيكة الأنقلاب فأحذروا حلاوة رضاعها لمرارة فطامها وأهجروا لذيذ عاجلها لكربة آجلها ولا تسعوا في عمران دار قد قضي الله خرابها ولا تواصلوها وقد أراد لله منكم أجتنابها فتكونوا لسخطه متعرضين ولعقوبته مستحقين وقال الجنيد رضي اله عنه ليس أستبشع مما يرد على من العالم لأني أصلت أصلًا وهو أن الدار دارهم وغم وبلاء وفتنة وأن العالم كله شر ومن حكمه أنه يتلقاني بكل ما أكره فإن تلقاني بما أحب فهو فضل وإلا فالأصل هو الأول وفي

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت