فهرس الكتاب
وحقيقة الرضى هو تلقي المهالك بوجه ضاحك وحقيقة التسليم أستواء النقمة والنعيم بحيث لا يختار في أيهما يقيم وهذا هو مقام أهل الكمال الذين تحققوا بالزوال نفعنا الله بذكرهم وخرطنا في سلكهم أمين ثم ذكر الأدب السابع وهو دوام المراقبة ومواصلة المشاهدة فقال لا تترقب فراغ الأغيار فإن ذلك يقطعك عن وجود المراقبة له فيما هو مقيمك فيه الترقب هو الأنتظار والأغيار جمع غير بكسر الغين وهو ما يغير القلب عن حاله والغالب أستعماله فيما يغيره من حالة الكمال إلى حالة النقص وعند الصوفية كل ما يشغل عن الحضرة ويغير القلب عنها فهو غير والمراقبة هي العسة على القلب لئلا يخرج من حضرة الرب والمراد بها في كلام الشيخ مطلق العسة فتصدق بمراقبة القلب كما تقدم وتصدق بمراقبة الروح وهي عسها على دوام الشهود وبمراقبة السر وهي عسته على دوام الترقي والأدب قلت إذا أقامك الحق تعالى في حال يغلب فيها وجود الأغيار لغلبة الحس فيها كما إذا أقامك في شغل دنيوي في الظاهر لا محيد لك عنه فجاهد قلبك في العسة عليه في الحضور لئلا تسرقك الغفلة أو جاهد روحك في العسة عليها في دوام الشهود لئلا يسرقك الحس أو جاهد سرك في أستمداد الموهب والعلوم لئلا يحصل ذلك فتور ولا تترقب أي تنتظر فراغ شغل يدك من تلك الأغيار فتؤخر حضور قلبك إلى تمام شغل يدك فيفوتك وجود المراقبة في تلك الحال التي أقامك الحق فيها فيكون في حقك سوء أدب وفيه أيضًا تضييع ذلك الوقت وخلوه من معاملة الحق وصرف الأوقات لا يمكن قضاؤها ولقد بلغني أن شيخ شيخنا مولاي العربي رضي الله عنه كان إذا رأى أصحابه في شغل وخاف عليهم أن يسرقهم الحس نادي عليهم بأعلى صوته أنت أنت تنبيهًا لهم وأيقاظًا من شهود الحس وقد ذكر الشعراني في العهود عن بعض أشياخه أنه كان لا يغيب عن الله ولو في حالة الجماع وهذا شأن أهل الأعتناء من العارفين وهذا هو جمع الجمع والله تعالى أعلم تنبيه ليس هذا تكرارًا مع ما تقدم في قوله أحالتك الأعمال على وجود الفراغ الخ لأن ذلك في عمل الجوارح وهذا في عمل القلوب يدلك على ذلك تعبيره هنا بالمراقبة وتعبيره ثم الأعمال والأفادة خير من الأعادة وبالله التوفيق وإذا حصلت لك المراقبة أو المشاهدة في حال الأغيار فلا تستغرب ما تراه من الأكدار لئلا يحصل لك الأنكار وإلى هذا أشار بقوله لا تستغرب وقوع الأكدار ما دمت في هذه الدار فإنها ما أبرزت إلا ما هو مستحق وصفها وواجب نعتها الأستغراب تصيير الشيء غريبًا حتى يتعجب منه والأكدار كل ما يكدر على النفس ويؤلمها ومستحق وصفها ما تستحق أن توصف به وواجب نعتها ما يجب أن تنعت به قال بعضهم الوصف يكون بالأمور اللازمة والنعت يكون بالعوارض الطارئة فالأمور اللازمة كالبياض والسواد والطول والقصر والعوارض كالمرض والصحة والفرح والحزن وغير ذلك والمراد هنا بالأوصاف ما يتكرر وقوعه كالموت والأمراض وما يقع كثيرًا وبالنعوت ما يقل وقوعه في العادة كالفتن والهرج والزلازل لأنهم يقولون الأوصاف لوازم والنعوت عوارض وقيل شيء واحد وهو الأصح قلت من آداب العارف أن لا يستغرب شيئًا من تجليات الحق ولا يتعجب من شيء منها كائنة ما كانت جلالية أو جمالية فإن نزلت به نوازل قهرية أوة وقعت في هذه الدار أكدار وأغيار جلالية فلا يستغرب وقوع ذلك لأن تجليات هذه الدار جلها جلالية لأنها دار أهوال ومنزل فرقة وأنتقال وفي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال في بعض خطبه أيها الناس إن هذه الدار دار التواء أي هلاك لا دار أستواء ومنزل ترح أي حزن لا منزل فرح فمن عرفها لم يفرح لرخائها ولم يحزن لشقائها إلا وأن الله خلق الدنيا دار بلوى والآخرة دار عقبي فجعل بلوى الدنيا لثواب الآخرة سببًا وثواب الآخرة من بلوى الدنيا عوضًا فيأخذ ليعطي ويبتلي ليجزي وأنها لسريعة التوي وشيكة الأنقلاب فأحذروا حلاوة رضاعها لمرارة فطامها وأهجروا لذيذ عاجلها لكربة آجلها ولا تسعوا في عمران دار قد قضي الله خرابها ولا تواصلوها وقد أراد لله منكم أجتنابها فتكونوا لسخطه متعرضين ولعقوبته مستحقين وقال الجنيد رضي اله عنه ليس أستبشع مما يرد على من العالم لأني أصلت أصلًا وهو أن الدار دارهم وغم وبلاء وفتنة وأن العالم كله شر ومن حكمه أنه يتلقاني بكل ما أكره فإن تلقاني بما أحب فهو فضل وإلا فالأصل هو الأول وفي