فهرس الكتاب
ذلك قيللك قيل
يمثل ذو اللب في لبه ... شدائده قبل أن تنزلًا
فإن نزلت بغتة لم ترعه ... لما كان في نفسه مثلًا
رآى الأمر يفضي إلى آخر ... فصير آخره أولًا
وذو الجهل يأمن أيامه ... وينسى مصارع من قد خلا
فإن دهمته صروف الزما ... ن ببعض مصائبه أعولًا
ولو قدم الحزم من نفسه ... لعلمه الصبر عند البلا
قال أبو سليمان الداراني لأحمد بن أبي الحواري يا أحمد جوع قليل وعري قليل وذل قليل وصبر قليل وقد أنقضت عنك أيام الدنيا اه فلا تستغرب أيها العارف ما يقع بك أو لغيرك من الأكدار ما دمت مقيمًا في هذه الدار لأنها ما برز فيها من التجليات الجلالية إلا ما هو مستحق أن تتصف به وواجب أن تنعت به فلا تستغرب شيئًا ولا تتعجب من شيء بل الواجب عليك أن تعرف الله في الجلال والجمال والحلوة والمرة وأما أن كنت لا تعرفه إلا في الجمال فهذا هو مقام العوام والمعرفة في الجلال هو السكون والأدب والرضى والتسليم فينبغي للفقير أن يكون كعشب السمار إذا جاءت حملة الوادي حني رأسه وإذا ذهبت رفع رأسه وكما لا تستغرب وقوع الأكدار بحيث لا تحزن ولا تخف ولا تجزع كذلك لا تتعجب من وقوع المسار وهو الجمال بحيث لا تفرح ولا تبطر فإن الجلال مقرون بالجمال والجمال مقرون بالجلال يتعاقبان تعاقب الليل والنهار.
والعارف يتلون مع كل واحد منهما لا يستغرب شيئًا ولا يتعجب من شيء إذ كل ما يبرز من عنصر القدرة كله واحد وبهذا وقع التفريق بين الصادق والصديق لأن الصديق لا يتعجب من شيء ولا يتردد في شيء وعد به بخلاف الصادق فقط فإنه مهما رأى شيئًا مستغربًا تعجب منه وإذا وعد بشيء قد يتردد في أمتثاله وقد وصف الله تعالى السيدة مريم بالصديقية ولم يصف السيدة سارة بها لأنها لما بشرت بالولد على وجه خرق العادة أستغربت وقالت أن هذا لشيء عجيب فلذلك قالت لها الملائكة أتعجبين من أمر الله بخلاف مريم فلم تتعجب وإنما سألت سؤال أستفهام فقط أو سألت عن وقت ذلك أو كيفيته هل بالتزوج أو بغيره والله تعالى أعلم، ثم ذكر الأدب الثامن وهو أن يكون تصرفه بالله ولله ومن الله وإلى الله وهو مقام الصدق الذي هو لب الأخلاص وأخلاص خواص الخواص فقال ما توقف مطلب أنت طالبه بربك ولا تيسر مطلب أنت طالبه بنفسك التوقف الحبس والتعذر والمطلب ما يطلب قضاؤه والتيسر التسهيل قلت إذا عرضت لك حاجة من حوائج الدنيا والآخرة وأردت أن تقضي لك سريعًا فأطلبها بالله ولا تطلبها بنفسك فإنك إذا طلبتها بالله تيسر أمرها وسهل قضاؤها وإن طلبتها بنفسك صعب قضاؤها وتعسر أمرها ولا يتوقف ويحبس أمر طلبته بربك ولا يتيسر ويسهل أمر طلبته بنفسك قال تعالى حاكيًا عن سيدنا موسى عليه السلام وقال موسى لقومه"أستعينوا بالله وأصبروا أن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين"فكل من أستعان بالله وصبر في طلب حاجته كانت العاقبة له وكان من المتقين وقال تعالى"ومن يتوكل على الله فهو حسبه"أي كافيه كل ما أهمه وقال صلى الله عليه وسلم لبعض أصحابه وهو سويد بن غفلة لا تطلب الإمارة فإنك أن طلبتها وكلت إليها وأن أتتك من غير مسألة أعنت عليها وعلامة الطلب بالله هو الزهد في ذلك الأمر والاشتغال بالله عنه فإذا جاء وقته تكون بإذن الله وعلامة الطلب بالنفس هو الحرص والبطش إليه فإذا تعذر عليه أنقبض وتغير عليه فهذا ميزان من كان طلبه بالله وطلبه بنفسه فمن طلب حوائجه بالله قضيت معنى وأن لم تقض حسًا ومن طلب حوائجه بنفسه خاب سعيه وضاع وقته وأن قضيت تهمته وحاجته وها هنا ضابط يعرف به أهل العناية من أهل الخذلان وأهل الولاية من أهل الخسران ذكره الشيخ أبو الحسن الشاذلي رضي الله عنه فقال: