فهرس الكتاب

الصفحة 58 من 311

بخلاف ما إذا صحبت من هو أحسن حالًا منها فإنها لا ترى من نفسها إلا التقصير وفي ذلك خير كثير قال الشيخ أبو الحسن الشاذلي أوصاني حبيبي فقال لا تنقل قدميك إلا حيث ترجو ثواب الله ولا تجلس إلا حيث تأمن غالبًا من معصية الله ولا تصطف لنفسك إلا من تزداد به يقينًا وقليل ما هم وقال له أيضًا لا تصحب من يؤثر نفسه عليك فإنه لئم ولا من يؤثرك على نفسه فإنه قل ما يدوم وأصحب من إذا ذكر ذكر الله فالله يغني به إذا شهد وينوب عنه إذا فقد ذكره نور القلوب ومشاهدته مفاتيح الغيوب اه وحاصله لا تصحب من تتكلف له فوق جهدك ولا من يتكلف لك كذلك وخير الأمور أوساطها وهذا والله أعلم في صحبة الأخوة وأما صحبة الشيخوخة فكل ما أمر به الشيخ أو أشار إليه أو فهمت أنه يحب ذلك فلا بد أن تبادر إليه بقدر الأمكان ولو كان محالًا عادة لأخذت في التهيئ للفعل قال شيخ شيوخنا سيدي العربي بن أحمد ابن عبد الله الفقير الصديق هو الذي إذا قال له شيخه أدخل في عين المخياط لا يتردد ويقوم يبادر في أمتثال ما أمر ولو كان لا يتأتي منه ذلك وقال أيضًا صاحبي هو الذي نفتله بشعره اه وقال سيدي علي رضي الله عنه في كتابه أعلم أنه لا يقرب طالب الله إلى الله شيء مثل جلوسه مع عارف بالله أن وجده وإن لم يجده فعليه بذكر الله ليلًا ونهارًا قائمًا وقاعدًا مع العزلة عن أبناء الدنيا بعدم الجلوس معهم وعدم الكلام كذلك وعدم النظر فيهم لأنهم سم خارق ولا يبعد من الله شيء مثل جلوسه مع فقي جاهل الفقير الجاهل أقبح من العامي الغافل بألف ضعف الجلوس مع العارف بالله أفضل من العزلة والعزلة أفضل من الجلوس مع العوام الغافلين والجلوس مع العامي الغافل.

أفضل من الجلوس مع الفقير الجاهل لا شيء في الوجود يسود قلب المريد مثل جلسة مع الفقير الجاهل كما أن العارف بالله يجمع بين العبد ومولاه بنظرة أو بكلمة كذلك الفقير الجاهل بالله ربما أتلف المريد عن مولاه بنظرة أو بكلمة فما فوقها يرحم الله المجذوب حيث يقول في بعض كلامه، الجلسة مع غير الأخيار، ترذل ولو تكون صافي اه وقال سهل بن عبد الله رضي الله عنه أحذر صحبة ثلاث من أصناف الناس الجبابرة الغافلين والقراء المداهنين والمتصوفة الجاهلين اه وزاد الشيخ زروق علماء الظاهر قال لأن نفوسهم غالبة عليهم اه قلت الجلوس معهم اليوم أقبح من سبعين عاميًا غافلًا وفقيرًا جاهلًا لأنهم لا يعرفون إلا ظاهر الشريعة ويرون أن من خالفهم في هذا الظاهر خاطيء أو ضال فيجهدون في رد من خالفهم يعتقدون أنهم ينصحون وهم يغشون فليحذر المريد من صحبتهم والقرب منهم ما أستطاع فإن توقف في مسئلة ولم يجد من يسئل عنها من أهل الباطن فليسأله على حذر ويكون معه كالجالس مع القرب والحية والله ما رأيت أحدًا قط من الفقراء قرب منهم وصحبهم فأفلح أبدًا في طريق الخصوص ويرحم الله أباذر الغفاري رضي الله عنه حيث قال والله لا أسألهم دنيا ولا أستفتيهم عن دين اه قال هذا في علماء الصحابة الأخيار رضي الله عنهم فما بالك اليوم حين أشتغلوا بجمع الدنيا وتزيين الملابس وتكبير العمائم وتحسين المأكل والمساكن والمراكب ورأوا ذلك سنة نبوية فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وكان يحيى بن معاذ الرازي رضي الله عنه يقول لعلماء وقته يا معشر العلماء دياركم هامانية ومراكبكم قاونية وأطعمتكم فرعونية وولأئمكم جالوتية ومواسمكم جاهلية وقد صيرتم مذاهبكم شيطانية فأين الملة المحمدية ومما يتأكد النظر إليه في المصحوب الزهد في الدنيا ورفع الهمة عنها ولو قل عمله في الظاهر وإلى ذلك أشار بقوله ما قل عمل برز من قلب زاهد ولا كثر عمل برز من قلب راغب قلت الزهد في الشيء هو خروج محبته من القلب وبرودته منه وعند القوم بغض كل ما يشغل عن الله ويحبس عن حضرة الله ويكون أولًا في المال وعلامته أن يستوي عنده الذهب والتراب والفضة والحجر والغني والفقر والمنع والعطاء ويكون ثانيًا في الجاه والمراتب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت