ولم ينزل به أراه الله ما رأى عمر فاستحضر زيد بن ثابت وأمره بجمعه. فتبعه زيد [1] جمعا من صدور الرجال ومن الرقاع والألواح واللخاف والعسب مما كان يكتب بين يديه صلى الله عليه وسلم حتى أتمه في مصحف [2]
ولما أتم الصحف أخذها أبو بكر واستمرت عنده إلى أن توفى. ثم عمر. ولما توفى أخذها حفصة (( فإن قيل ) )كان يستكمل وجوه فراءته المعبر عنها في الحديث الذي تواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم من قوله: (( إن القرآن أنزل على سبعة أحرف فاقرءوها ما تيسر منه ) )ومن حكم إتيانه عليها التخفيف والتيسير على هذه الأمة في التكلم بكتابهم كما خفف عليهم في شريعتهم كالمصرح به في الأحاديث الصحيحة كقوله: صلى الله عليه وسلم إن ربي أرسل إلى أن أقرء القرآن على حرف فرددت عليه أن هون على أمتي. ولم يزل يردد حتى بلغ سبعة أحرف.
ومقتضى كلام الداني في منبهته [3] والشاطبي في عقيلته وكثير من شراحها وابن الجزر في منجده وغيرهم أن الصحف المذكورة كتبت مجتملة على الأحرف السبعة.
(نسخ القرآن في المصاحف وسببه)
في خلافة سيدنا عثمان رضي الله عنه كان حذيفة بن اليمان مأمورا بغزو الري [4] والبار وأرمينية وما جاورها حتى أذربيجان. ففي هذه الأسفار رأى كلا من جماعات المسلمين يزعم أن قراءاته خير من قراءة غيره. فلما رجع إلى عثمان أخبره بما رأى ففزع لذلك عثمان وجمع الصحابة وكانت عددتهم يومئذٍ أثنى عشر ألفًا وأخبرهم الخبر فأعطموه جميعا واستقر رأيهم بالاتفاق على أن يجمع الناس على مصحف واحد بحيث لا يكون فرق ولا اختلاف. فبعث عثمان إلى حفصة من عندها الصحف التي كتبت غي عهد أبي بكر وأحضر زيد بن ثابت وعبد الله بن الزبير. وسعيد بن
(1) وكان زيد بن ثابت رضي الله عنه لا يكتب آية إلا بشهادة عدلين يشهدان على أن تلك الآية كتبت بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم أو على أن يكتب أن ذلك مكتوب من الوجوه التي نزل بها القرآن لا مجرد الحفظ /هـ أفاده السيوطي وغيره
(2) قال ابن حجر: والفرق بين الصحف والمصحف الأوراق المجردة التي جمع فيها القرآن في عهد أبي بكر وكانت سوار مفرقة كل سورة مرتبة بآياتها على حدة لكن لم ترتب بعضها إثر بعض فلما نسخت ورتبت بعضها إثر بعض صارت مصحفا / هـ
(3) أي حيث قال فيها.
ففعل الذي به قد أمره* معتمدا على الذي قد ذكره
وجمع القرآن في الصحائف* ولم يميز أحرف التخالف، بل رسم السبع من اللغات* وكل ما صح من القرات اهـ
(4) الري بفتح الراء وتشديد الياء مدينة مشهورة ببلاد العراق اهـ