الصفحة 120 من 830

""""""صفحة رقم 123""""""

( فَ ) عَلَى الْمَذْهَبِ ( مَنْ يَسْتَتِرْ ) .

مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ ( فِي بَيْتِهِ ) أَوْ غَيْرِ بَيْتِهِ لأَجْلِ ( سَمَاعِهِ ) أَيْ الْمُسْتَتِرِ ( الْغِنَاءَ ) بِكَسْرِ الْغَيْنِ مَمْدُودًا ( وَلَمْ يُكْثِرْ ) مِنْ ذَلِكَ وَلَمْ يَتَزَيَّدْ مِنْهُ ( وَ ) لَمْ يَقْتَرِنْ بِآلَةِ لَهْوٍ وَلَمْ يَكُنْ الْمُغَنِّي امْرَأَةً أَجْنَبِيَّةً لِحُرْمَةِ التَّلَذُّذِ بِصَوْتِهَا بَلْ ( غَنَّى ) غِنَاءً ( يَسِيرًا ) غَيْرَ كَثِيرٍ , فَإِنْ أَكْثَرَ مِنْهُ رُدَّتْ شَهَادَتُهُ كَمَا مَرَّ , لأَنَّهُ سَفَهٌ وَدَنَاءَةٌ يُسْقِطُ الْمُرُوءَةَ كَمَا فِي الإِنْصَافِ .

وَأَمَّا إنْ غَنَّى يَسِيرًا ( فِي ) حَالِ ( خَفَاءٍ لِنَفْسِهِ ) قُلْت أَوْ لِغَيْرِهِ وَلَمْ يَتَّخِذْهُ صِنَاعَةً وَلَمْ يُدَاوِمْهُ عَلَى مَا مَرَّ ( فَلا بَأْسَ ) أَيْ لا حَرَجَ وَلا حُرْمَةَ فِي ذَلِكَ لأَنَّهُ كَلامٌ مَوْزُونٌ بِنَغْمَةٍ طَيِّبَةٍ فَلا تَظْهَرُ الْحُرْمَةُ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ قُرَّةَ بْنِ خَالِدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَحْيَى قَالَ قَالَ عُمَرُ رضي الله عنه لِلنَّابِغَةِ الْجَعْدِيِّ: أَسْمِعْنِي بَعْضَ مَا عَفَا اللَّهُ لَك عَنْهُ مِنْ هنيهاتك , فَأَسْمَعَهُ كَلِمَةً لَهُ يَعْنِي قَصِيدَةً فَقَالَ لَهُ وَإِنَّك لَقَائِلُهَا ؟ قَالَ نَعَمْ , قَالَ عُمَرُ رضي الله عنه: لَطَالَ مَا غَنَّيْت بِهَا خَلْفَ جِمَالِ الْخَطَّابِ وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَوْفٍ قَالَ: أَتَيْت بَابَ عُمَرَ رضي الله عنه فَسَمِعْته يُغَنِّي بالركبانية:

فَكَيْفَ ثَوَائِي بِالْمَدِينَةِ بَيْنَمَا

قَضَى وَطَرًا مِنْهَا جَمِيلُ بْنُ مَعْمَرِ

وَكَانَ جَمِيلُ بْنُ مَعْمَرٍ مِنْ أخصاء عُمَرَ رضي الله عنه .

قَالَ فَلَمَّا اسْتَأْذَنْت عَلَيْهِ قَالَ أَسَمِعْت مَا قُلْت ؟ قُلْت نَعَمْ , قَالَ إذَا خَلَوْنَا قُلْنَا مَا يَقُولُهُ النَّاسُ فِي بُيُوتِهِمْ .

وَهَلْ اسْتِحْسَانُ الشِّعْرِ إلا لِكَوْنِهِ مَوْزُونًا مُتَنَاسِبًا مَمْدُودَ الصَّوْتِ وَالدَّنْدَنَةِ , وَإِلا لَمَا كَانَ فَرْقٌ بَيْنَ الْمَنْظُومِ وَالْمَنْثُورِ .

وَقَدْ سَمِعَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ رضي الله عنهما الْغِنَاءَ وَكَانَ يُعْجِبُهُ .

فَهَذَا خُلاصَةُ مَا اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ الْمَذْهَبُ , وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَم .

( تَنْبِيهَاتٌ: الأَوَّلُ ) جَزَمَ الإِمَامُ الْمُحَقِّقُ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي إغَاثَةِ اللَّهْفَانِ بِحُرْمَةِ الْغِنَاءِ , وَقَالَ إنَّهُ مِنْ مكائد الشَّيْطَانِ ومصائده الَّتِي كَادَ بِهَا مَنْ قَلَّ نَصِيبُهُ مِنْ الْعِلْمِ وَالْعَقْلِ وَالدِّينِ , وَصَادَ بِهَا قُلُوبَ الْجَاهِلِينَ وَالْمُبْطِلِينَ , وَقَالَ إنَّهُ الْمُكَاءُ وَالتَّصَدِّيَةُ .

وَمُرَادُهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِهَذِهِ الْعِبَارَةِ حَيْثُ اقْتَرَنَ بِآلَةِ لَهْوٍ مُحَرَّمَةٍ , بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: مِنْ مكائد الشَّيْطَانِ الْغِنَاءُ بِالآلاتِ الْمُحَرَّمَةِ الَّتِي تَصُدُّ الْقُلُوبَ عَنْ الْقُرْآنِ , وَتَجْعَلُهَا عَاكِفَةً عَلَى الْفِسْقِ وَالْعِصْيَانِ , فَهُوَ قُرْآنُ الشَّيْطَانِ , وَالْحِجَابُ الْكَثِيفُ عَنْ الرَّحْمَنِ , وَهُوَ رُقْيَةُ اللِّوَاطِ وَالزِّنَا .

وَبِهِ يَنَالُ الْعَاشِقُ الْفَاسِقُ غَايَةَ الْمُنَى , فَلَوْ رَأَيْتهمْ عِنْدَ ذياك السَّمَاعِ وَقَدْ خَشَعَتْ مِنْهُمْ الأَصْوَاتُ , وَهَدَأَتْ مِنْهُمْ الْحَرَكَاتُ , وَعَكَفَتْ قُلُوبُهُمْ بِكُلِّيَّتِهَا عَلَيْهِ , وَانْصَبَّتْ انصبابة وَاحِدَةً إلَيْهِ , لَرَأَيْت أَمْرًا تَقْشَعِرُّ مِنْهُ الْجُلُودُ , وَيَتَعَدَّى الشَّرَائِعَ وَالْحُدُودَ .

فَلِغَيْرِ اللَّهِ بَلْ لِلشَّيْطَانِ قُلُوبٌ هُنَاكَ تُمَزَّقُ , وَأَثْوَابٌ تُشَقَّقُ , وَأَمْوَالٌ فِي غَيْرِ طَاعَةِ اللَّهِ تُنْفَقُ , حَتَّى إذَا عَمِلَ السُّكْرُ فِيهِمْ عَمَلَهُ , وَبَلَغَ الشَّيْطَانُ مِنْهُمْ أَمَلَهُ , وَاسْتَفَزَّهُمْ بِصَوْتِهِ وَحِيَلِهِ , وَأَجْلَبَ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِهِ وَرَجْلِهِ , وَخَزَ فِي صُدُورِهِمْ وَخْزًا .

وَأَزَّهُمْ إلَى ضَرْبِ الأَرْضِ بِالأَقْدَامِ أَزًّا .

فَطَوْرًا يَجْعَلُهُمْ كَالْحَمِيرِ حَوْلَ الْمَدَارِ , وَتَارَةً كَالذُّبَابِ يَرْقُصُ وَسَطَ الدَّارِ .

فَيَا شَمَاتَةَ أَعْدَاءِ الإِسْلامِ بِاَلَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ خَوَاصُّ الأَنَامِ , قَضَوْا حَيَاتَهُمْ لَذَّةً

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت