فهرس الكتاب
""""""صفحة رقم 152""""""
فَهَذَا رَسُولُ اللَّهِ ( صلى الله عليه وسلم ) قَدْ أَقَرَّ الشِّعْرَ وَأَمَرَ بِهِ .
فَهَلْ بَعْدَ هَذَا يَسُوغُ إنْكَارٌ ؟ وَقَالَ الإِمَامُ الْحَافِظُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي ( مُثِيرِ الْعَزْمِ السَّاكِنِ إلَى أَشْرَفِ الأَمَاكِنِ ) بَابُ ذِكْرِ الشُّعَرَاءِ بِسُوقِ عُكَاظٍ وَتَنَاشُدُهُمْ الأَشْعَارَ .
قَالَ الأَصْمَعِيُّ: كَانَ النَّابِغَةُ الذُّبْيَانِيُّ تُضْرَبُ لَهُ قُبَّةٌ مِنْ أَدْمٍ بِسُوقِ عُكَاظٍ فَتَأْتِيهِ الشُّعَرَاءُ فَتَعْرِضُ عَلَيْهِ أَشْعَارَهَا فَأَوَّلُ مَنْ أَنْشَدَهُ الأَعْشَى , ثُمَّ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ , ثُمَّ أَنْشَدَتْهُ الشُّعَرَاءُ , ثُمَّ أَنْشَدَتْهُ الْخَنْسَاءُ أَبْيَاتَهَا الَّتِي تَقُولُ فِيهَا:
وَإِنَّ صَخْرًا لَتَأْتَمُّ الْهُدَاةُ بِهِ
كَأَنَّهُ عَلَمٌ فِي رَأْسِهِ نَارُ
فَقَالَ وَاَللَّهِ لَوْلا أَنَّ أَبَا بَصِيرٍ أَنْشَدَنِي آنِفًا لَقُلْت إنَّك أَشْعَرُ أَهْلِ زَمَانِك مِنْ الْجِنِّ وَالإِنْسِ , فَقَامَ حَسَّانُ فَقَالَ لأَنَا وَاَللَّهِ أَشْعَرُ مِنْهَا وَمِنْك وَمِنْ أَبِيك , فَقَالَ لَهُ النَّابِغَةُ حَيْثُ تَقُولُ مَاذَا ؟ فَقَالَ حَيْثُ أَقُولُ:
لَنَا الْجَفَنَاتُ الْغُرُّ يَلْمَعْنَ بِالضُّحَى
وَأَسْيَافُنَا يَقْطُرْنَ مِنْ نَجْدَةِ دَمًا
وَلَدْنَا بَنِي الْعَنْقَاءِ وَابْنَيْ مُحَرِّقٍ
فَأَكْرِمْ بِنَا خَالا وَأَكْرِمْ بِنَا ابْنَ مَا
فَقَالَ لَهُ: يَا بُنَيَّ إنَّك قُلْت لَنَا الْجَفَنَاتُ فقللت عَدَدَك , وَقُلْت يَلْمَعْنَ بِالضُّحَى وَلَوْ قُلْت فِي الدُّجَى لَكَانَ أَفْخَرَ , لأَنَّ الضِّيفَانَ يَكْثُرُونَ بِاللَّيْلِ , وَقَلَّلْت عَدَدَ أَسْيَافِك وَقُلْت يَقْطُرْنَ وَلَوْ قُلْت يَجْرِينَ لَكَانَ أَكْثَرَ لِلدَّمِ , وَفَخَرْت بِمَنْ وَلَدْته , وَلَمْ تَفْخَرْ بِمَنْ وَلَدَك , فَانْظُرْ مَزِيدَ اعْتِنَائِهِمْ بِالشِّعْرِ , وَشِدَّةَ التَّنْقِيبِ عَلَيْهِ .
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَالِمِ بْنِ نَصْرِ بْنِ سَالِمٍ فِي صَدْرِ شَرْحِ قَصِيدَةِ الإِمَامِ الْعَلامَةِ جَمَالِ الدِّينِ أَبِي عُمَرَ وَعُثْمَانَ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الْمَالِكِيِّ الْمَعْرُوفِ بِابْنِ الْحَاجِبِ فِي عِلْمَيْ الْعُرُوضِ وَالْقَوَافِي: وَبَعْدُ , فَالشِّعْرُ دِيوَانُ الْعَرَبِ , وَتُرْجُمَانُ الأَدَبِ , مُدِحَ بِهِ النَّبِيُّ ( صلى الله عليه وسلم ) وَسَلَّمَ وَأَثَابَ عَلَيْهِ , وَأَدْنَى مَادِحِيهِ , وَأَمَرَ بِمُنَاضَلَةِ مُشْرِكِي قُرَيْشٍ وَمُعَارَضَتِهِمْ وَهَجْوِهِمْ مُقَابَلَةً لِمَا تَعَرَّضُوا إلَيْهِ مِنْ أَذَى الْمُسْلِمِينَ وَهَجْوِهِمْ , وَقَالَ فِي حَقِّ حَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ رضي الله عنه: إنَّ حَسَّانَ مُؤَيَّدٌ فِي شِعْرِهِ بِرُوحِ الْقُدْسِ , وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ الصِّدِّيقَ وَالْفَارُوقَ رضي الله عنهما كَانَا يَنْظِمَانِ الشِّعْرَ .
وَكَانَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيٌّ رضي الله عنه أَشْعَرَ الْجَمَاعَةِ , وَرُوِيَ لَهُ شِعْرٌ كَثِيرٌ , وَكَذَلِكَ رَوَى الْجَمَاعَةُ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ رضي الله عنهم أجمعين .
وَقَالَ ( صلى الله عليه وسلم ) لِحَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ رضي الله عنه: ( إنَّ رُوحَ الْقُدْسِ مَعَك مَا دُمْت تُنَافِحُ عَنْ نَبِيِّهِ ) وَقَالَ: ( اللَّهُمَّ أَيِّدْهُ بِرُوحِ الْقُدْسِ ) وَقَدْ جَرَى عَلَى لِسَانِ النَّبِيِّ ( صلى الله عليه وسلم ) عِدَّةُ أَبْيَاتٍ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ مِنْهُ ( صلى الله عليه وسلم ) لِنَظْمِ شَيْءٍ مِنْ الشِّعْرِ لِمَنْعِهِ مِنْهُ , كَقَوْلِهِ ( صلى الله عليه وسلم ) :
أَنَا النَّبِيُّ لا كَذِبْ
أَنَا ابْنُ عَبْدِ المطلب
وَكَقَوْلِهِ:
مَا أَنْت إلا أُصْبُعٌ دَمِيَتْ
وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ مَا لَقِيت