فهرس الكتاب
""""""صفحة رقم 169""""""
فَابْدَأْ بِنَفْسِك فَانْهَهَا عَنْ غَيِّهَا
فَإِذَا انْتَهَيْت عَنْهُ فَأَنْتَ حَكِيمُ
فَهُنَاكَ يُقْبَلُ مَا تَقُولُ وَيُقْتَدَى
بِالْقَوْلِ مِنْك وَيَنْفَعُ التَّعْلِيمُ
لا تَنْهَ عَنْ خُلُقٍ وَتَأْتِيَ مِثْلَهُ
عَارٌ عَلَيْك إذَا فَعَلْت عَظِيمُ
وَلَمَّا جَلَسَ عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زَيْدٍ الْوَاعِظُ أَتَتْهُ امْرَأَةٌ مِنْ الصَّالِحَاتِ فَأَنْشَدَتْهُ:
يَا وَاعِظًا قَامَ لاحْتِسَابِ
يَزْجُرُ قَوْمَهُ عَنْ الذُّنُوبِ
تَنْهَى وَأَنْتَ الْمُرِيبُ حَقًّا
هَذَا سَنُّ الْمُنْكَرِ الْعَجِيبِ
لَوْ كُنْت أَصْلَحْت قَبْلَ هَذَا
عَيْبَك أَوْ تُبْت مِنْ قَرِيبِ
كَانَ لِمَا قُلْت يَا حَبِيبِي
مَوْقِعُ صِدْقٍ مِنْ الْقُلُوبِ
تَنْهَى عَنْ الْغَيِّ وَالتَّمَادِي
وَأَنْتَ فِي النَّهْيِ كَالْمُرِيبِ
قَالَ فِي اللَّطَائِفِ: قَالَ رَجُلٌ لابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما: أُرِيدُ أَنْ آمُرَ بِالْمَعْرُوفِ وَأَنْهَى عَنْ الْمُنْكَرِ , فَقَالَ إنْ لَمْ تَخْشَ أَنْ تَفْضَحَك هَذِهِ الآيَاتُ الثَّلاثُ فَافْعَلْ وَإِلا فَابْدَأْ بِنَفْسِك , ثُمَّ تَلا أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَقَالَ تَعَالَى لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ .
كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ وقوله تعالى حِكَايَةً عَنْ شُعَيْبٍ عليه السلام وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ .
فَإِنْ قَلْت: هَذِهِ الأَخْبَارُ الصَّحِيحَةُ أَوْ الآثَارُ الصَّرِيحَةُ تُعَيِّنُ اعْتِبَارَ عَدَالَةِ الآمِرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهِي عَنْ الْمُنْكَرِ .
فَالْجَوَابُ أَنَّ هَذَا هُوَ الأَكْمَلُ وَالأَفْضَلُ .
وَنَحْنُ نَقُولُ يَجِبُ عَلَى كُلِّ مُؤْمِنٍ أَنْ يَكُونَ تَقِيًّا عَدْلا , وَلَكِنْ فَلا بُدَّ لِلنَّاسِ مِنْ الأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ .
وَلَوْ لَمْ يَعِظْ النَّاسَ إلا مَعْصُومٌ أَوْ مَحْفُوظٌ لَتَعَطَّلَ الأَمْرُ وَالنَّهْيُ مَعَ كَوْنِهِ دِعَامَةَ الدِّينِ , وَقَدْ قِيلَ: إذَا لَمْ يَعِظْ النَّاسَ مَنْ هُوَ مُذْنِبٌ فَمَنْ يَعِظُ الْعَاصِينَ بَعْدَ مُحَمَّدٍ وَرَوَى ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا بِإِسْنَادٍ فِيهِ ضَعْفٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَنْ النَّبِيِّ ( صلى الله عليه وسلم ) قَالَ ( مُرُوا النَّاسَ بِالْمَعْرُوفِ وَإِنْ لَمْ تَعْمَلُوا بِهِ كُلِّهِ وَانْهَوْا عَنْ الْمُنْكَرِ وَإِنْ لَمْ تَتَنَاهَوْا عَنْهُ كُلِّهِ ) .
وَقِيلَ لِلْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ: إنَّ فُلانًا لا يَعِظُ وَيَقُولُ أَخَافُ أَنْ أَقُولَ مَا لا أَفْعَلُ .
فَقَالَ الْحَسَنُ: وَأَيُّنَا يَفْعَلُ مَا يَقُولُ ؟ وَدَّ الشَّيْطَانُ أَنَّهُ قَدْ ظَفِرَ بِهَذَا فَلَمْ يَأْمُرْ أَحَدٌ بِمَعْرُوفٍ وَلَمْ يَنْهَ عَنْ مُنْكَرٍ .
وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى كُلِّ مُؤْمِنٍ مَعَ الشُّرُوطِ الْمُتَقَدِّمَةِ الأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنْ