فهرس الكتاب
""""""صفحة رقم 175""""""
)وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا ( فَإِذَا كَرِهَ الْمُؤْمِنُ الْمُنْكَرَ وَنَوَى بِقَلْبِهِ أَنَّهُ لَوْ قَدَرَ عَلَى تَغْيِيرِهِ لَغَيَّرَهُ كَانَ فِي قُوَّةِ تَغْيِيرِهِ لَهُ , فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَى كُلِّ مُؤْمِنٍ إيجَابُ عَيْنِ كَرَاهَةِ مَا كَرِهَهُ مَوْلاهُ وَمَحَبَّةُ مَا يُحِبُّهُ وَيَرْضَاهُ .
وَقَدْ قَالَ عليه الصلاة والسلام كَمَا فِي الأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ الصَّرِيحَةِ ( إنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ ) وَ ( الدِّينُ النَّصِيحَةُ ) ( ثُمَّ ) أَرْقَى مِنْ الإِنْكَارِ بِالْقَلْبِ فَقَطْ الإِنْكَارُ بِ ( لِسَانِهِ ) أَيْ أَنْ يُنْكِرَ الْمُنْكَرَ بِلِسَانِهِ بِأَنْ يَصِيحَ عَلَيْهِمْ فَيَتْرُكُونَهُ أَوْ يُسَلِّطَ عَلَيْهِمْ مَنْ يُغَيِّرُهُ ( وَأَقْوَاهُ )
أَيْ أَقْوَى مَرَاتِبِ الإِنْكَارِ ( إنْكَارُ الْفَتَى ) أَيْ الشَّخْصِ الْمُؤْمِنِ ( الْجَلْدِ ) بِسُكُونِ اللامِ أَيْ الْقَوِيِّ الشَّدِيدِ , وَيُقَالُ لَهُ جَلِيدٌ .
وَفِي حَدِيثِ عُمَرَ ( كَانَ أَجْوَفَ جَلِيدًا ) أَيْ قَوِيًّا شَدِيدًا , فَهُوَ صِفَةٌ لِلْفَتَى ( بِالْيَدِ ) مُتَعَلِّقٌ بِإِنْكَارِ الْفَتَى , وَهَذَا مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِ النَّبِيِّ ( صلى الله عليه وسلم ) ( مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ , فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ , فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ , وَذَلِكَ أَضْعَفُ الإِيمَانِ ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ .
وَرَوَى مُسْلِمٌ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه عَنْ النَّبِيِّ ( صلى الله عليه وسلم ) قَالَ ( مَا مِنْ نَبِيٍّ بَعَثَهُ اللَّهُ قَبْلِي إلا كَانَ لَهُ مِنْ أُمَّتِهِ حَوَارِيُّونَ وَأَصْحَابٌ يَأْخُذُونَ بِسُنَّتِهِ وَيَقْتَدُونَ بِأَمْرِهِ , ثُمَّ إنَّهَا تَخْلُفُ مِنْ بَعْدِهِمْ خُلُوفٌ يَقُولُونَ مَا لا يَفْعَلُونَ , وَيَفْعَلُونَ مَا لا يَقُولُونَ , فَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِيَدِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ , وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِلِسَانِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ , وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِقَلْبِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ , لَيْسَ وَرَاءَ ذَلِكَ مِنْ الإِيمَانِ حَبَّةُ خَرْدَلٍ ) .
وَأَخْرَجَ الإِسْمَاعِيلِيُّ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ عَنْ عُمَرَ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ مَرْفُوعًا ( يُوشِكُ هَذِهِ الأُمَّةُ أَنْ تَهْلَكَ إلا ثَلاثَةَ نَفَرٍ , رَجُلٌ أَنْكَرَ بِيَدِهِ وَبِلِسَانِهِ وَبِقَلْبِهِ , فَإِنْ جَبُنَ بِيَدِهِ فَبِلِسَانِهِ وَقَلْبِهِ , فَإِنْ جَبُنَ بِلِسَانِهِ وَيَدِهِ فَبِقَلْبِهِ ) .
وَأَخْرَجَ الإِسْمَاعِيلِيُّ أَيْضًا بِإِسْنَادٍ مُنْقَطِعٍ عَنْ عَلِيٍّ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ مَرْفُوعًا( سَتَكُونُ بَعْدِي فِتَنٌ لا يَسْتَطِيعُ الْمُؤْمِنُ فِيهَا أَنْ يُغَيِّرَ بِيَدٍ وَلا بِلِسَانٍ .
قُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ وَكَيْفَ ذَلِكَ ؟ قَالَ يُنْكِرُونَهُ بِقُلُوبِهِمْ .
قُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ وَهَلْ يُنْقِصُ ذَلِكَ إيمَانَهُمْ شَيْئًا ؟ قَالَ لا إلا كَمَا يُنْقِصُ الْقَطْرُ مِنْ الصَّفَا )وَخَرَّجَهُ الطَّبَرَانِيُّ بِمَعْنَاهُ مِنْ حَدِيثِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ مَرْفُوعًا .
فَهَذِهِ الأَخْبَارُ وَنَحْوُهَا دَلَّتْ عَلَى وُجُوبِ إنْكَارِ الْمُنْكَرِ بِحَسَبِ الإِمْكَانِ وَالْقُدْرَةِ عَلَيْهِ , وَأَنَّ الإِنْكَارَ بِالْقَلْبِ لا بُدَّ مِنْهُ , فَمَنْ لَمْ يُنْكِرْ قَلْبُهُ الْمُنْكَرَ دَلَّ عَلَى ذَهَابِ الإِيمَانِ مِنْ قَلْبِهِ , وَقَدْ قَالَ عَلِيٌّ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ ( إنَّ أَوَّلَ مَا تُغْلَبُونَ عَلَيْهِ مِنْ الْجِهَادِ الْجِهَادُ بِأَيْدِيكُمْ , ثُمَّ الْجِهَادُ بِأَلْسِنَتِكُمْ , ثُمَّ الْجِهَادُ بِقُلُوبِكُمْ , فَمَنْ لَمْ يَعْرِفْ قَلْبُهُ الْمَعْرُوفَ وَيُنْكِرْ قَلْبُهُ الْمُنْكَرَ نُكِسَ فَجَعَلَ أَعْلاهُ أَسْفَلَهُ ) .
وَسَمِعَ ابْنُ مَسْعُودٍ رضي الله عنه رَجُلا يَقُولُ هَلَكَ مَنْ لَمْ يَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَلَمْ يَنْهَ عَنْ الْمُنْكَرِ .
فَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: هَلَكَ مَنْ لَمْ يَعْرِفْ بِقَلْبِهِ الْمَعْرُوفَ وَالْمُنْكَرَ .
يُشِيرُ إلَى أَنَّ مَعْرِفَةَ الْمَعْرُوفِ وَالْمُنْكَرِ بِالْقَلْبِ فَرْضٌ لا يَسْقُطُ عَنْ أَحَدٍ , فَمَنْ لَمْ يَعْرِفْهُ هَلَكَ .
وَأَمَّا الإِنْكَارُ